أنت لستَ جيدًا !!

دخول:

رغمَ كلِّ الجراح، ظلّ دائمًا متماسكًا؛ لأنّ الحجارة لا تُقذَف إلّا على الشجر المثمر، ولأنّ الرياح لا تختبر إلّا من وقف طويلًا في العراء!

همهمة:

وأنتَ، يا هذا، على مشارف العقد الخامس من العمر، اترك عنك أولئك الفاشلين الذين لا يتجاوز سقف طموحاتهم كسر مجاديفك. أولئك الذين يعيشون بلا هدف، فيختلقون لك دورًا في فوضاهم، ويمنحونك تهمًا جاهزة ليبرّروا بها عجزهم! ولأنّهم من بني جلدتك، ظننتَ – سهوًا – أنّ القربى تعصم من الأذى، فإذا بها أحيانًا أقرب الطرق إلى الطعن! 

دعهم عنك؛ فأنت إنسان تخاف الله عزّ وجل، وتعرف حقّ نفسك عليك، كما تعرف واجبات الآخرين تجاهك، وإن قصّروا فيها. دعهم؛ فبعض الناس يحملون أمراضًا خفيّة، لا تظهر في الأجساد، بل في المواقف، ولا يفضحها إلا الزمن. والأيام، كما يُقال، حبلى بالمفاجآت، لكنها ليست عادلة دائمًا، بل كاشفة، تعرّي الوجوه، وتسقط الأقنعة، وتعيد ترتيب المشهد دون استئذان!

بعض الناس واهمون، يعتقدون أنّ إسقاطك يرفعهم، وأنّ تشويهك يمنحهم شرعية الوجود. وبعضهم الآخر لا تردعهم نفوسهم الأمّارة بالسوء عن الإساءة لكل من عرفوه؛ لأنهم يعيشون على المصالح، والكذب، والتدليس، ويتنقّلون بين القيم كما يتنقّل التاجر بين البضائع. نواياهم سيّئة، وقلوبهم مشوَّشة، وهم – في حقيقتهم – بحاجة إلى ضبطٍ مصنعيٍّ أخلاقيّ، يعيد تعريف الإنسان داخلهم قبل أن يعيد تعريف سلوكهم!

أنت لستَ جيدًا في مطاردة السراب…

لستَ جيدًا في إقناع من قرر سلفًا أن يراك مخطئًا، ولا في شرح نواياك لمن اعتاد سوء الظن، ولا في الدفاع عن نقاء قلبك أمام من يتغذّى على التشكيك. أنت لستَ جيدًا في إصلاح صورةٍ رسمها الآخرون عنك ليبرّروا بها فشلهم في فهمك! 

لستَ جيدًا لأنك اخترت الصدق في عالم يتقن التمثيل، واخترت الوضوح في زمن يربح فيه الغموض، واخترت أن تمشي مستقيمًا في طرق ملتوية. لستَ جيدًا لأنك صمتَّ حين كان الصراخ أسهل، وتراجعت حين كان الاستمرار مجرد عناد، ومضيت حين كان التوقف يعني موتًا بطيئًا للروح! 

أنت لستَ جيدًا لأنك تعلّمت – متأخرًا لكن بعمق – أنّ بعض المعارك لا تُكسب، وأن بعض العلاقات لا تُصلَح، وأن بعض الناس لا يريدون الحقيقة، بل يريدون نسخة منها تخدم روايتهم. أدركتَ أنّ محاولة إرضاء الجميع شكلٌ متقدّم من أشكال الخسارة، وأن الدفاع المستمر عن نفسك استنزاف لا يليق بمن عرف قيمته!

لستَ جيدًا لأنك توقفت عن إثبات ذاتك للآخرين، واكتفيت بأن تكونها. لأنك لم تعد تركض خلف الاعتراف، ولم تعد تلهث وراء التصفيق، ولم تعد تقايض قناعاتك بقبولٍ مؤقّت. أنت لستَ جيدًا لأنك فهمت أنّ الكرامة لا تُفاوض، وأنّ السلام الداخلي أغلى من كل انتصار زائف.

وفي لحظة صفاء مختلفة، ستدرك أنّ عبارة «أنت لستَ جيدًا» لم تكن إهانة، بل شهادة نجاة. نجاة من استنزاف الروح، ومن قسوة التوقعات، ومن عبث المقارنات، ومن صراع لا ينتهي لإثبات ما لا يحتاج إلى إثبات. ستفهم أنّ الجيّد حقًا هو من عرف متى ينسحب بكرامة، ومتى يصمت بحكمة، ومتى يواصل الطريق وحده دون أن يتحوّل إلى نسخة قاسية من نفسه.

ستدرك أنّ النضج ليس في كثرة الانتصارات، بل في قلّة الندم، وأنّ القوة ليست في الردّ، بل في التجاوز، وأنّ العزلة أحيانًا ليست هروبًا، بل إعادة تموضع. فليس كل ابتعاد خسارة، ولا كل بقاء وفاء، ولا كل صمت ضعف! 

فامضِ…

دعهم يرمون، فالشجر المثمر لا يتوقّف عن العطاء.

ودعهم يظنّون، فالحقيقة لا تحتاج إلى محامٍ.

كن كما أنت: ناقصًا في أعينهم، كاملًا في ضميرك.

فهذا – وحده – كافٍ لأن تنجو!

عيسى المزمومي 

مقالات سابقة للكاتب

تعليق واحد على “أنت لستَ جيدًا !!

الكاتب علي محمد قاسم

أطيب تحية، واصدق شكر، للكاتب الاديب ، على هذا المقال البديع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *