الأمن المستدام في البلد الحرام في ضوء دعوة إبراهيم عليه السلام
من دعاء الخليل إلى بلدٍ لا يعرف الخوف
لم تكن دعوةُ إبراهيم عليه السلام بالأمن لمكة المكرمة دعوةً عابرة، ولا طلبًا موضعيًا لحماية مكان، بل كانت تأسيسًا ربانيًا لرسالة أمنٍ ممتدة، جعل الله بها هذا البلد الحرام موطنَ طمأنينةٍ للناس، وقيامًا لشؤونهم، وأمانًا تتفيّأ ظلاله البشرية جمعاء.
فقد قرّر القرآن أن الأمن في مكة تشريعٌ إلهيٌّ ثابت، حين قال سبحانه: ﴿وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾، فحُرِّم فيها القتال، ومُنِع الاعتداء، وعُظِّمت الحرمة، لتكون بلدًا يأمن فيه الإنسان على دمه ونفسه، قبل أن يأمن على ماله ومتاعه.
كما تجلّى الأمن فيها حمايةً كونيةً، تولّى الله بها حفظ بيته عبر التاريخ، كما في قصة أصحاب الفيل، لتبقى مكة آيةً قائمةً على أن الأمن الحقيقي بيد الله وحده.
وقد قرن إبراهيم عليه السلام دعاءه بالأمن بدعائه بالتوحيد، فقال: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾، فكان أعظم الأمن: أمن العقيدة، وأمان القلوب من الشرك والضلال، وكانت مكة مهبط الوحي، ومنبع الإيمان، ومركز التوحيد في الأرض.
ثم جاء البيان القرآني الجامع ليكشف بُعدًا أوسع، فقال الله تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾. فقيام الكعبة ليس قيام حجارة، بل قيام حياة؛ قيامٌ للدين، وقيامٌ للأمن، وقيامٌ لمصالح الناس الدينية والدنيوية. فما دامت الكعبة قائمة، بقي للناس ميزانُ الطمأنينة، وبقي للعالم رمزُ الأمان.
ويشهد الداخل إلى الحرم أمنًا روحيًا خاصًا؛ سكينةً تغمر القلب، وهيبةً تطرد الخوف، وطمأنينةً لا تُدرك بالحواس وحدها، بل تستشعرها الأرواح قبل الأجساد.
كما يتجلّى فيه الأمن الاجتماعي في اجتماع الناس من كل فجٍّ عميق، على اختلاف ألوانهم ولغاتهم، دون نزاعٍ أو صراع، وكأن الحرم يجمعهم تحت راية سلامٍ واحدة.
واقترن الأمن بالرزق، فكانت مكة – رغم كونها واديًا غير ذي زرع – مقصدًا تُجبى إليه الثمرات، ليبقى الأمن أساسَ العمران، والطمأنينة شرطَ الحياة.
إن دعوة إبراهيم عليه السلام لم تصنع أمنًا لمكانٍ فحسب، بل أرست مبدأً ربانيًا مفاده: أن بقاء الكعبة قيامٌ للناس، وأن أمنها أمنٌ للعالم، وأن هذا البلد الحرام سيبقى – ما بقيت الكعبة – رمزًا للأمان، وملاذًا للقلوب، وآيةً شاهدةً على أن الأمن الحقيقي هبةٌ من الله.
أ.د. مشعل بن حميد اللهيبي
جامعة أم القرى
كلية الدعوة وأصول الدين – قسم الكتاب والسنة
مقالات سابقة للكاتب