حدسك رادار ينبهك

هناك لحظات غريبة يواجه فيها الإنسان ملامحَ شخص ما، ثم يدق في داخله ناقوس يشعره بالارتياب.. ليس هناك سبب منطقي، ولا موقف سابق، ولا سلوك واضح يبرر هذا النفور، لكن شيئاً ما يستيقظ في الداخل فجأة يشبه جرس الإنذار، لا ترى مصدر دخانه.

لا تستطيع أن تصفه بأنه كره، ولا سوء ظن، ولا مبالغة في الحساسية.. إنه نظام الإنذار البيولوجي في أعماقك منذ خلق الله لك.

العقل الباطن يرى ما لا يراه العقل الواعي.. يلتقط نظرة خاطفة ذات ريبة، أو رعشة دقيقة في ابتسامة لم تُسجّل في الذاكرة الواعية، أو طبقة صوت انزلقت عبر الأذن كالشفرة، ثم يقرر أن شيئاً ما غير مريح.. لا يطلب إذناً، ولا يمنحك تفسيراً، فقط يدفع إليك بشعور غامض يعلّق في صدرك مثل قلادة تنبيه.

الإنسان قد يُخدع بالكلام المنمّق، بالمجاملة، بالمظاهر، بسلوك اجتماعي متقن.. أما الفؤاد فلا يُخدع، يقيس الأمان بطريقة أخرى، من خلال حركة العين، وارتباك النبرة، وتناقض الإشارات الدقيقة التي تمر في ثوانٍ ولا يلتقطها الوعي إلا بعد فوات الأوان.

ولهذا نقول إن ما تسميه (نفوراً بلا سبب) ليس كرهاً على الإطلاق، بل هو قراءة مبكرة لملامح تهديد لم تنضج بعد في الإدراك الظاهر.

ذاك الشعور المزعج الذي يأتيك فجأة هو رسالة تقول لك: انتبه.. هناك شيء لا يسير كما يبدو !

من يثق بحدسه لا يعيش مضطرباً، بل يعيش أكثر اتزاناً، فالإحساس الداخلي ليس لغزاً صعباً، بل مهارة بقاء صقلتها أجيال طويلة من تجارب النجاة، وعندما يتعارض الحدس مع المنطق، فإن المنطق غالباً لا يحالفه الصواب، بينما الحدس سبقه بخطوة لأنه رأى إشارات دقيقة من ذبذبات الكلام.. “استفتِ قلبك” صدّقه حين يرتجف بلا سبب.. صدّق عقلك الباطن حين يرفع راية التحذير قبل ظهور الخطر.

فالرادار الحقيقي هو ما وقر في صدرك، يفتح عينه قبل أن تفتح عينيك، ويقول لك بصوت خافت: “هنا يوجد تهديد” .

أحمد القاري

المدينة المنورة

a.a.qari@hotmail.com

مقالات سابقة للكاتب

3 تعليق على “حدسك رادار ينبهك

Sabi sweet

ماشاء الله عليك ياأستاذ أحمد فما تكتبه يُقرأ بالعقل ويُحس بالقلب في آنٍ واحد.
فعندما يتكلم القلب بصدق، تعجز الأقنعة عن البقاء فإحساس القلب الصادق يُرى في العيون قبل أن يُسمع في الكلام.

نايف الاحمد

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الله يجزاك خير على هذه المعلومه والكلام الجميل اللي بالصميم ولكن أنا أجهل كلمة الحدس ومامعناها افدني وجزيت خيراً

عدنان أحمد السقاف

في رحابِ الكلمةِ الأنيقةِ والفكرِ الثاقبِ، يُطلُّ علينا الدكتورُ أحمدُ القاري في مقالِهِ المَوْسُومِ بـ «حدسُك رادارٌ يُنبِّهُك»، مُمْتَطِيًا صهوةَ الحرفِ ليغوصَ في أعماقِ النفسِ البشريّةِ، مُستكشفًا تلكَ الزوايا الخفيّةَ التي تعجزُ لغةُ الأرقامِ والمنطقِ الجافِّ عن تفسيرِها.

لقد استطاعَ الدكتورُ القاري ببراعةٍ فذّةٍ أن ينسُجَ من الحدسِ ثوبًا أدبيًّا قشيبًا، فصوَّرَهُ لنا ليسَ مجرّدَ شعورٍ عابرٍ، بل كـ «رادارٍ» ربّانيٍّ ونظامِ إنذارٍ بيولوجيٍّ متجذّرٍ في كينونةِ الإنسانِ منذُ فَجْرِ الخليقةِ. إنَّ ما قدّمَهُ في هذا المقالِ يتجاوزُ الوصفَ السطحيَّ للمشاعرِ، لينتقلَ بنا إلى منطقةِ ما وراءِ الوعي، حيثُ يرى العقلُ الباطنُ ما تعمى عنه البصائرُ المأخوذةُ بظواهرِ الأمورِ، مُؤكّدًا بصياغةٍ بليغةٍ أنَّ أرواحَنا تملكُ لغَتَها الخاصّةَ وحواسَّها التي لا تُخطئُ التنبُّؤَ.

إنَّ الإشادةَ هنا لا تقفُ عند حدودِ الفكرةِ العميقةِ فحسب، بل تمتدُّ لتشملَ الأسلوبَ الأدبيَّ الرفيعَ الذي اتّسمَ به المقالُ؛ فالدكتورُ القاري يكتُبُ بمدادٍ من تجربةٍ وحكمةٍ، ويستخدِمُ مفرداتٍ تلامسُ الوجدانَ وتُحرّكُ الساكنَ في العقلِ. لقد نجحَ في إقناعِ القارئِ بأنَّ ذلكَ «القبضَ» المفاجئَ في الصدرِ أو ذلكَ «الارتياحَ» الفطريَّ ليسَ وهمًا، بل هو صوتُ الحقيقةِ الذي يهمسُ في أذُنِ الروحِ قبلَ أن ينطقَ به اللسانُ.

هذا المقالُ هو دعوةٌ للتصالحِ مع الذاتِ والإنصاتِ بتمعُّنٍ لنداءاتِ الفطرةِ، وهو يبرهنُ على أنَّ الدكتورَ أحمد القاري يمتلكُ أدواتٍ تحليليّةً ونفسيّةً رصينةً، استطاعَ توظيفَها في قالبٍ أدبيٍّ يجمعُ بين السلاسةِ والعمقِ.

تحيّةُ تقديرٍ لهذا القلمِ المبدعِ الذي أضاءَ لنا شمعةً في دهاليزِ النفسِ، وذكَّرَنا بأنَّ في أعماقِنا رادارًا لا ينامُ، يحمينا من عثراتِ الطريقِ ويقودُنا نحو مرافئِ الأمانِ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *