التضليل.. حين يُختطف وعي الناس باسم الخبر

في السنوات الأخيرة أصبحت المعلومات تصل إلينا بسرعة كبيرة، ومع هذه السرعة ظهرت مشكلة خطيرة اسمها المعلومات المضللة. وهي أخبار أو مقاطع أو صور تبدو صحيحة لكنها في الحقيقة غير دقيقة أو كاذبة. خطورة هذه الظاهرة أنها تنتشر بسهولة بين الناس، خاصة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ومع الوقت قد تتحول إلى أمر طبيعي يصدقه الكثيرون دون تفكير.

المعلومة المضللة لا تأتي غالباً بشكل مباشر أو واضح، بل تُقدَّم بأسلوب جذاب، وعناوين مثيرة، وتستهدف مشاعر الناس، فتجعلهم يغضبون أو يخافون أو يتعاطفون، فيسارعون إلى نشرها دون أن يسألوا عن صحتها. ومع تكرار النشر، يبدأ الخلط بين الحقيقة والكذب، ويضيع على الناس الفرق بين الخبر الصحيح والإشاعة.

تكمن خطورة المعلومات المضللة في تأثيرها المباشر على حياة المجتمع. فهي قد تزرع الشك بين الناس، وتضعف الثقة، وتثير الخلافات، وقد تُستغل لإشعال الفتن أو تشويه السمعة أو نشر الخوف. كما أن لها آثاراً خطيرة في المجال الصحي عندما تُنشر معلومات خاطئة عن الأمراض والعلاجات، وفي المجال الاقتصادي عندما تُطلق شائعات تسبب القلق أو الخسائر، وفي الجانب الاجتماعي عندما تفرق بين الناس وتفسد العلاقات.

ومع كثرة تداول هذه المعلومات، يصبح الصمت عنها مشكلة أكبر، لأن تركها دون مواجهة يسمح لها بالانتشار والتأثير. لذلك فإن أول خطوة في الحل تبدأ من الإنسان نفسه. على كل فرد أن يدرك أن أي خبر يقرأه ليس بالضرورة صحيحاً، وأن التوقف لحظة للتأكد أفضل من الندم لاحقاً. السؤال عن المصدر، والبحث البسيط، وعدم الانجراف خلف العناوين المثيرة، كلها أمور تحمي الفرد والمجتمع.

كما أن نشر الوعي مسؤولية جماعية، تبدأ من الأسرة حين تُعلِّم أبناءها التفكير قبل النشر، وتستمر في المدرسة عبر تعليم الطلاب التمييز بين الصحيح والخطأ، ويعززها الإعلام الصادق الذي يضع الحقيقة فوق السبق. ولا يقل دور الجهات الرسمية أهمية في سرعة توضيح الحقائق ومواجهة الشائعات بلغة واضحة تصل للجميع.

ومن الحلول الحديثة الاستفادة من التقنية نفسها، عبر منصات التحقق من الأخبار، والتنبيهات التي تكشف المحتوى الكاذب، والحملات التوعوية البسيطة التي تشرح للناس كيف يميزون بين المعلومة الصحيحة والمضللة. فالتقنية يمكن أن تكون سلاحاً خطيراً، لكنها أيضاً وسيلة قوية للحماية إذا استُخدمت بشكل صحيح.

إن المعلومات المضللة ليست أمراً بسيطاً يمكن تجاهله، بل خطر حقيقي إذا تُرك دون وعي ومعالجة. ومع ذلك، فإن مواجهته ليست مستحيلة. حين يتعاون الفرد والأسرة والإعلام والمؤسسات، وحين يدرك الجميع أن الكلمة مسؤولية، يمكننا أن نحمي مجتمعنا من التضليل، ونحافظ على الأمن الفكري والاستقرار، ونبني وعياً يحمي الحقيقة من الضياع.

 محمد عمر حسين المرحبي

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *