عَرَاجِينُ الفَارُوق

تَفْسِيرُ القُرْآنِ وَتَأْوِيلُه، وَرَبْطُ أَوَّلِه بِآخِرِه، وَمُحْكَمِه بِمُتَشَابِهِه، وَنَاسِخِه بِمَنْسوخِه، وَبَيَانُه وَإِعْرَابُه، وَحُرُوفُه وَسَكَنَاتُه وَحَرَكَاتُه، وَخَطُّه وَقِرَاءَتُه؛
لَيْسَ بِضَاعَةً لِلْمُفْلِسِين، وَلَا سُلَّماً لِلبَطَّالِين، وَلَا عُنْوَاناً لِلمُجَرِّبِين.
يُفَسِّرُه مَنْ يُحْسِنُ وَمَنْ لَا يُحْسِنُ؛
وَيُلْبِسُ عَلَى العَوَامِّ وَغَيْرِ المُشْتَغِلِينَ بِالعِلْم، وَيَصْرِفُ الكَلَامَ عَنْ مُرَادِ اللهِ بِهِ، وَعَنْ مَنَاطِ الحُكْمِ وَسَبَبِ النُّزُول.
يَا هَؤُلَاءِ، كُفُّوا عَنْ هَذَا، وَلَا تَكُونُوا كَـ «صُبَيْغٍ»؛ كَانَ يُخَلِّطُ مِثْلَ فِعْلِكُمْ!
قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسارٍ:
«إِنَّ رَجُلاً مِنْ بَنِي تَمِيم، يُقَالُ لَهُ: صُبَيْغُ بْنُ عَسَل، قَدِمَ المَدِينَةَ، وَكَانَتْ عِنْدَهُ كُتُبٌ، فَجَعَلَ يَسْأَلُ عن مُتَشَابِهِ القُرْآنِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، فَبَعَثَ إِلَيْهِ، وَقَدْ أَعَدَّ لَهُ عَرَاجِينَ النَّخْل. فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ جَلَسَ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا عَبْدُ اللهِ صُبَيْغ. فَقَالَ عُمَرُ: وَأَنَا عَبْدُ اللهِ عُمَر، ثُمَّ أَهْوَى إِلَيْهِ فَجَعَلَ يَضْرِبُه بِتِلْكَ العَرَاجِين، فَمَا زَالَ يَضْرِبُهُ حَتَّى شَجَّهُ، فَجَعَلَ الدَّمُ يَسِيلُ عَلَى وَجْهِهِ، فَقَالَ: حَسْبُكَ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ! فَقَدْ وَاللهِ ذَهَبَ الَّذِي كُنْتُ أَجِدُ فِي رَأْسِي».
(سُنَنُ الدَّارِمِي: ١/٥٥).
وَلَا أَقْصِدُ مِنْ هَذَا مَنْعَ الخَيْرِ، وَكَتْمَ العِلْمِ، وَإِغْلَاقَ بَابِ التَّدَبُّر؛
بَلِ اعْرِضْ مَا خَطَرَ بِبَالِكَ عَلَى كُتُبِ التَّفْسِيرِ، وَعَلَى أَهْلِ الصَّنْعَةِ وَرُبَّانِ المِضْمَارِ، وَاسْتَنَّ بِهِمْ؛
وَلَا تَكُنْ شَاذّاً بِرَأْيٍ يُخَالِفُ الحَقَّ وَيَشِطُّ عَنِ الجَادَّةِ، وَيُخْرِجُ النَّاسَ عَنِ الأُصُولِ العِلْمِيَّةِ، وَالقَوَاعِدِ التَّفْسِيرِيَّةِ، وَاللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ.
وَالقُرْآنُ نُورٌ وَبَصِيرَةٌ وَهُدًى، لَا يَخْلَقُ مِنْ كَثْرَةِ الرَّدِّ، وَلَا يَشْبَعُ مِنْهُ العُلَمَاءُ؛
فَعَلَى طَرِيقِهِمُ اخْطُ تَفْلَحْ وَتَبْلُغْ مُرَادَكَ، وَلَا تَتَكَلَّفْ مَا لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ.
وَقَدْ جَاءَ فِي مُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيْبةَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنِ العَوَّامِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ؛ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ سُئِلَ عَنْ {وَفَاكِهَةً وَأَبّاً} فَقَالَ:
«أَيُّ سَمَاءٍ تُظِلُّنِي، وَأَيُّ أَرْضٍ تُقِلُّنِي، إِذَا قُلْتُ فِي كِتَابِ اللهِ مَا لَا أَعْلَمُ؟!»
وإنْ أَعَلَّ المُحَدِّثُونَ هَذَا الحَدِيثَ بِالانْقِطَاعِ بَيْنَ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ وَأَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، إِلَّا أَنَّ مَعْنَاهُ صَحِيحٌ، وَهُوَ المَنْهَجُ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ أَهْلُ العِلْمِ وَالوَرَعِ.
وَعَلَى مَنْ عَرَفَ الحَقَّ وَاسْتَبَانَ لَهُ لُزُومُهُ.

محمد بن أحمد بن سالم الشلاع

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *