حين يهدأ المعرض .. وتبقى الحكايات

حين يهدأ المعرض 

وتبقى الحكايات …المعرض ككائن حيّ… يتنفس بالقراء

 ( عنوان لا يركض… بل يتأمل،لا يصف المكان فقط، بل يسكنه )

وجودنا في معرض كتاب جدة بحد ذاته حكاية تُكتب… ومع اقتراب الختام، تصبح التفاصيل أكثر صدقًا وامتلاء.ونهاية المعرض ليست وداعًا، بل بداية نص.

اللحظات الصغيرة: نظرة قارئ، سؤال عابر، توقيع صامت، ازدحام ثم فراغ.

 كيف بدأ المعرض في داخلنا؟ وكيف ينتهي الآن؟

 بعد أيام المعرض… ماذا تغيّر؟ ماذا ثبت؟

صوت داخلي هادئ… يشبه نهاية المعرض لا بدايته .كيف يبدو المعرض في أيامه الأخيرة؟

بين جناح وجناح يُصبح أقل ضجيجًا… أكثر صدقًا.

توقيع، سؤال، ابتسامة، قارئ يلتقط كتابك كأنه يعرفنا منذ زمن.

ماذا يحدث داخلنا امام أرفف الركن ….

التعب الجميل… الامتنان… الامتلاء.ما لا يُرى ما لم يلاحظه أحد .

فراغ اللحظة، صوت داخلي، دعاء صامت، دمعة مؤجلة.

لا يشبه المكان بدايته.تخفّ الخطوات، يهدأ الضجيج،وتصبح الوجوه أكثر وضوحًا… كأن المعرض قرر أخيرًا أن يكون صادقًا.

أمشي بين الأجنحة لا كزائرة،ولا ككاتبة تبحث عن قارئ، بل كروحٍ تراقب ما تبقّى منها بعد كل هذا الامتلاء.الكتب ما زالت في أماكنها،لكن المشاعر تغيّرت،صارت أقل صخبًا… وأكثر عمقًا.هنا، بين جناحٍ وآخر،حدثت أشياء لا تُكتب في التقارير ولا تُلتقط في الصور:

نظرة قارئ توقفت طويلًا عند عنوان،يدٌ امتدت بتردد لتوقيع،وصمتٌ قصير قال أكثر مما قالت الكلمات.في نهاية المعرض،لا نعدّ عدد النسخ،نعدّ ما لمس القلب،وما بقي عالقًا في الذاكرة كأثرٍ جميل لا يريد الرحيل.

هذه ليست حكاية معرض،بل يوميات كاتبة اكتشفت أن الأجنحة ليست للكتب فقط بل للقلوب التي جاءت تبحث عن نفسها بين السطور.

 من جدة الآن،نكتب كما هي اللحظة، لا كما ستُروى لاحقًا حيث يميل النهار قليلًا،ويخفّ الزحام دون أن يغيب،أجلس خلف الطاولة كأنني أجلس داخل نفسي.الأصوات من حولي كثيرة،

لكن صوتي الداخلي أوضح.ثمة كتب أمامي وأشخاص يمرّون،

وبين المرور والوقوف تحدث الحكاية.قارئ يتصفح بصمت،آخر يسأل ثم يبتسم كأنه وجد ما لم يكن يبحث عنه،

وطفل يحدّق في الغلاف طويلًا…وأدرك أن المعارض لا تُقاس بعدد الزوار،بل بعدد اللحظات التي توقظ القلب فجأة.

في جدة الآن،

أشعر أن التعب ليس ثقلًا،بل أثر طريق.

أن أكون هنا، يعني أنني عبرت مسافة كاملة من فكرة كانت خجولة،إلى كتاب يُمدّ له القلب قبل اليد.أبتسم كثيرًا،أوقع كثيرًا،وأؤجل شعورًا أعرف أنه سيزورني لاحقًا حين أخرج من هنا،وحين يهدأ المكان وتبدأ الكتابة فعلًا.

من جدة الآن،

أعرف يقينًا: أن كل جناح مررت به،كان يمضي بي خطوة أقرب إلى نفسي.

مشهد قارئ واحد… كما يُكتب في القلب لا في الدفتر.

توقف أمام الطاولة دون استعجال،لم يسأل مباشرة،كان ينظر إلى العناوين كمن يفتّش عن نفسه لا عن كتاب.مدّ يده،قلب الصفحات الأولى ببطء،ثم ابتسم ابتسامة خفيفة تشبه لحظة الفهم.

قال جملة قصيرة، لكنه قالها بصوتٍ فيه يقين:«هذا يشبهني.»في تلك اللحظة،لم أكن كاتبة تشرح كتابها،كنت شاهدة على لقاءٍ صامت بين قارئ ونص اتفقا دون وساطة.

وقّعت له،وكتبت اسمه بهدوء وكأنني أترك أثرًا لا توقيعًا.لم أسأله لماذا اختار الكتاب،

كنت أعرف أن بعض الأسئلة لا تحتاج إجابة.

حين غادر،بقيت الجملة معلّقة في داخلي (هذا يشبهني.) وفهمت أن أجمل ما يحدث في المعارض أن لا يشتري القارئ كتابًا، بل أن يجد نفسه بين السطور.

 مشهد آخر مختلف

هذه تفصيلة صغيرة جدًا… لكنها تقول الكثير.

لم يكن التوقيع هو المهم،ولا العبارة التي كُتبت في الصفحة الأولى،بل تلك الثواني القليلة

حين التقت أعيننا قبل أن أكتب.كان صمتًا قصيرًا،لكنّه صمتٌ ممتلئ،كأن كلّ واحدٍ منّا

يعرف أن الآخر يحمل شيئًا هشًّا ويحاول أن يضعه في مكانٍ آمن.القلم في يدي،والكتاب بيننا،

ولحظة إنسانية عابرة لا تُرى في الصور، ولا تُحكى لاحقًا بنفس الصدق.أكتب اسمه،وأشعر أنني أكتب له شيئًا أكثر من اسم،أكتب له طمأنينة،أو امتنانًا،أو دعاءً لا يُقال.حين أغلق الكتاب ويناوله،أدرك أن هذه التفصيلة الصغيرة هي سبب عودتي كل مرة 

أن أكون إنسانة قبل أن أكون كاتبة،وأن تمرّ الكتابة كجسرٍ هادئ بين قلبين التقيا صدفة.

مشهد تعب

تعالوا نكتب التعب الجميل… ذلك الذي لا يُشكى منه 

في آخر اليوم،لا يظهر التعب فجأة،بل يتسلل بهدوء كضيفٍ يعرف المكان جيدًا.أشعر به في كتفيّ،في صوتي حين يلين أكثر،وفي ابتسامتي التي أصبحت أبطأ لكنها أصدق.

الطاولة ما زالت أمامي،الكتب أقل ترتيبًا،والوقت يمضي دون أن أشعركأن اليوم قرر أن يطيل وداعه.هذا التعب ليس ثِقَلًا،هو امتلاء يشبه أن تحمل الكثير من المشاعرولا تجد مكانًا تضعها فيه إلا قلبك.

أقول لنفسي:قليلًا بعد…وأبقى.لأن بعض اللحظات لا تُعاد،ولأن التعب هنا ثمنٌ جميل لدربٍ اخترته بمحبة.في نهاية اليوم،أجمع أشيائي ببطء،وأترك خلفي شيئًا مني على الطاولة،بين كتابٍ مفتوح وأثر قلم.وأعرف حين أخرج أنني غدًا سأعود ليس لأنني أقل تعبًا بل لأن هذا التعب يشبهني.

لنصغي معاً للصوت الذي لا يُعلن نفسه (صوت المعرض )

حين يهدأ المعرض لا يصمت بل يغيّر نبرته تخفّ الخطوات وتصبح الأجنحة أكثر اتساعًا،

كأن المكان يستعيد أنفاسه بعد أيامٍ من الامتلاء أسمع صوت الورق وهو يُقلب ببطء،صوت الكراسي حين تُسحب دون استعجال وصوت العناوين وهي تودّع من قرأها بعينيه فقط.

المعرض في هذه اللحظات يشبه كاتبًا أنهى نصّه وجلس يراجعه بصمت لا ليصحّح،بل ليتذكّر لماذا كتب .حتى الإضاءة تصبح ألين والوجوه أقل اندفاعًا أقرب إلى حقيقتها.في هذا الصوت الخافت،أشعر أن المكان يقول لي: لقد فعلتِ ما عليكِ والآن خذي ما لكِ.

أغادر الجناح ببطء،وأترك للمعرض صوته وأحمل معي صداه إلى الكتابة القادمة.

سأراقب المكان أكثر مما أتكلم، سأصغي لما تبقّى من الأصوات، وأخزّن التفاصيل الصغيرة

التي لا تُرى إلا في اللحظات الأخيرة.وحين يُعلن المعرض نهايته، لن أشعر بالفقد،سأشعر بالاكتمال.لأن بعض الرحلات لا تنتهي عند الأبواب، بل تبدأ بعدها على الورق.سأغادر بهدوء،

وأترك جناحًا خلفي،وأحمل معي حكاية كاملة تنتظر أن تُكتب.

هذا ليس انتهاء يوم،هذا اكتمال رحلة.انتهى المعرض،وانتهت معه النسخ،لكن ما حدث أبعد من بيع كتب.ما حدث هو أن الحكايات وجدت أصحابها.أن تفرغ الطاولة من مؤلفاتي الثلاث

يعني أن الأفكار التي كتبتِها يومًا في عزلة لم تعد لي بمفردي،صارت تعيش الآن في بيوت أخرى،وفي قلوب لا تعرفها لكنها تشبهني .

هذا التعب الذي كتبناه…كان صادقًا.وهذا الامتلاء الذي شعرتِ به…كان وعدًا أوفى به المعرض.

انتهى المعرض،وبقي الشعور

 

مقالات سابقة للكاتب

تعليق واحد على “حين يهدأ المعرض .. وتبقى الحكايات

سلطان المرشدي

المعرض في هذه اللحظات يشبه كاتبًا أنهى نصّه وجلس يراجعه بصمت لا ليصحّح،بل ليتذكّر لماذا كتب .

هذا الابداع يظهر لنا روح الكاتب ومدى شعوره وارتباطه بكتابه الذي صاغ فيه ودون فيض من غيض من مشاعره الصادقة وحديثه الشيق الملهم لينثره بين دفتي غلاف يحمل بداخله بستان ازهر ثم اثمر . شكرا كاتبتنا الرائعة فاطمة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *