ذكر الله والتسبيح

‏تأملتُ قول الله تعالى في قصة يونس عليه السلام: (( فلولا أنه كان من المسبحين * للبث في بطنه إلى يوم يُبعثون )) فوجدتُ عجبا، الله جل جلاله يعلم ما كان وما يكون وما سيكون، وما لم يكن لو كان كيف كان يكون، فالله يعلم أنه لولاه جل جلاله ثم توفيقه ليونس بتسبيحه لمكث في بطن الحوت إلى يوم البعث، فجعل برحمته التسبيح سببا لينقل يونس عليه السلام من قدر إلى قدر، من الهلاك إلى النجاة، من الموت إلى الحياة، من الظلمات إلى النور، من الكرب والغم إلى السرور والحبور، نعم ” لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ” جعلها الله سبباً لذلك كله، فلا تستهن بالذكر، وإن ضعُفت أو أُصبت أو تَعبت أو أصابك كرب أو هم أو غم فتذكر (( فلولا أنه كان من المسبحين * للبث في بطنه إلى يوم يُبعثون )) وأكثر من الذكر والتسبيح لترى العجب.

‏قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ” والأمر بتسبيح الله يقتضي تنزيهه عن كل عيب وسوء، واثبات المحامد التي يحمد عليها، فيقتضي ذلك تنزيهه وتحميده وتكبيره وتوحيده “، وأقول – والله أعلم -: من هنا يُعرف فضل هذا الذكر الجليل وهو قول: ” سبحان الله وبحمده “، ومن هنا أيضاً يُعرف معناه، فأنت بالتسبيح تنزه الله عن كل نقص وعيب، ثم في نفس اللحظة بالتحميد تحمده – بعد تنزيهه – على كماله وكمال صفاته، وعلى رحمته ولطفه وسعة جوده وفضله وعلمه، وعلى سائر أفعاله وصفاته، فتنزه الله عن النقص وأنت تحمده على الكمال، جل جلال ربنا وتقدست أسماؤه، وتأمل كيف أتى الحمد بعد التسبيح حين أثنى ربنا على ذاته العليّة في كتابه: (( سبحان ربك رب العزة عمّا يصفون * وسلامٌ على المرسلين * والحمد لله رب العالمين )).

‏لذا والله أعلم كان كل ما حولنا في الكون يسبح بحمد ربه، لعِظم هذا الذكر، ” فسبحان الله وبحمده ” صلاة كل شيء وذكر جميع المخلوقات: (( تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يُسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم .. )) الآية، وب: ” سبحان الله وبحمده ” تُرزق، كما صحّ عن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أن نوحاً عليه السلام قال لابنه عند موته: ( آمرك بـ” لا إله إلا الله ” فإن السموات السبع، والأرضين السبع، لو وضعت في كفة، ووضعت ” لا إله إلا الله ” في كفة رجحت بهنّ ” لا إله إلا الله “، ولو أن السموات السبع والأرضين السبع كنّ حلقة مُبهمة قصمتهن ” لا إله إلا الله “، و ” سبحان الله وبحمده ” فإنها صلاة كل شيء، وبها يُرزق الخلق ) رواه الإمام أحمد والبخاري في الأدب المفرد وإسناده صحيح، وصححه الألباني في السلسة الصحيحة. فسبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته. 

‏ولذكر الله عموماً – أيها الكرام – فضائل لا تعد ولا تحصى، ولنتأمل معاً بعض الأحاديث في ذلك:

قال نبينا صلى الله عليه وسلم: ( ألا أُنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والفضة، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ ) قالوا: بلى، قال: ( ذكر الله تعالى ) رواه الترمذي.

وقال نبينا صلى الله عليه وسلم: ( إن مما تذكرون من جلال الله التسبيح والتهليل والتحميد ينعطفن حول العرش لهن دويّ كدوي النحل تذكر بصاحبها، أما يحب أحدكم أن يكون له أو لا يزال له من يذكّر به ) رواه ابن ماجه.

وقال عليه الصلاة والسلام: (سبق المفرّدون) قالوا: وما المفردون يا رسول الله؟ قال: (الذاكرون الله كثيرا والذاكرات). رواه مسلم.

قبل الختام:

جاء رجلٌ بدويٌّ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فقال يا رسولَ اللهِ علِّمْني خيرًا قال : قل : ( سبحان اللهِ ، والحمدُ للهِ ، ولا إله إلا اللهُ ، والله أكبرُ ) . . قال : وعقد بيده أربعًا ؛ ثم رتَّب فقال : ( سبحان اللهِ ، والحمدُ لله ، ولا إله إلا اللهُ ، واللهُ أكبرُ ) ، ثم رجع ، فلما أراه رسولُ اللهِ تبسَّم ، وقال : تفكَّر البائسُ . فقال : يا رسولَ اللهِ ! ( سبحان الله ، والحمدُ لله ، ولا إله إلا اللهُ ، واللهُ أكبرُ ) ، هذا كلُّه لله ، فما لي ؟ فقال رسولُ اللهِ : إذا قلتَ : ( سبحان اللهِ ) ؛ قال اللهُ : صدقتَ . وإذا قلتَ : ( الحمدُ لله ) ؛ قال اللهُ : صدقتَ . وإذا قلتَ : ( لا إله إلا اللهُ ) ؛ قال اللهُ : صدقتَ . وإذا قلتَ : ( اللهُ أكبرُ ) ؛ قال اللهُ : صدقتَ . فتقول : ( اللهمَّ اغفِرْ لي ) ، فيقول اللهُ : قد فعلتُ . فتقول : ( اللهمَّ ارْحمْني ) ؛ فيقول اللهُ : قد فعلتُ . وتقول : ( اللهمَّ ارْزُقْني ) ؛ فيقول اللهُ : قد فعلتُ . قال : فعقد الأعرابيُّ سبعًا في يدَيه . .” قال الألباني: حسن لغيره، وللحديث شواهد في الصحيح.

ختاماً:

من عرف الله بأسمائه وصفاته وأفعاله = أحبَّه لا محالة (ابن القيم).

” وعلامة صدق حب الله كثرة ذكره، فإنك لن تحب شيئا إلا أكثرت ذكره “.

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *