حين نسترجع شريط الذاكرة الفنية في الخليج العربي، ونبحث عن الأسماء التي صنعت ملامح الدراما والمسرح وقدّمت الفن كرسالة ووعي، سنقف ـ بلا شك ـ أمام اسمٍ يتلألأ في ذاكرة الجمهور، اسم لم يكن مجرد ممثل، بل حالة إنسانية وفنية وفلسفية تستحق التأمل. إنه الفنان القدير الأستاذ “علي السبع”. ابن سيهات الباسمة، الذي خرج من الشرقية كنبضٍ بسيط، ثم تحوّل إلى مدرسة يمتد صداها في قلوب الناس لأكثر من نصف قرن!
من مدينة تطل على البحر وتتنفس بساطة الناس وكرامتهم، خرج علي السبع وهو يحمل بين أصابعه بذور الفن الأولى. منذ مقاعد الصفوف الابتدائية، حين كان يقرأ قصص نجيب الريحاني وجورج أبيض وعلي الكسار، لم يكن يحلم بالتمثيل فحسب، بل كان يرى في المسرح صورةً للحياة نفسها؛ مساحة للتصالح مع الذات، ومواجهة الأسئلة الكبرى التي تصنع الإنسان!
في عام 1974م، التحق بالتلفزيون السعودي كهاوٍ، ووقف للمرة الأولى أمام الشاشة في مسلسل جحا للمخرج نبيل عامر، ثم أدى دورًا مميزًا في مسلسل فارس من الجنوب، ليُفتح بذلك بابٌ سيظل مفتوحًا لعقود لاحقة. لم تكن بداياته سهلة، غير أنّ الجبال لا تُصنع من الطين، بل من صبر الحجر. ومن هذا الحجر تشكّل علي السبع؛ ممثل صارع الظروف وتجاوزها، ليثبت أن الفن ليس موهبة فحسب، بل صبر وشغف وانحياز للرسالة!
ما الذي يجعل اسمًا فنيًا يتحول إلى رمز؟! ليست الشهرة ولا الأضواء، بل حجم “الإنسان” داخل الرجل العظيم!
ودائمًا، يستقبل “أبا زهير” كل من يقصده في مجلسٍ بسيط على أطراف سيهات؛ ويكفي أن تجلس هناك قليلًا لتدرك أن تواضعه وكرمه جزءٌ من طبيعته، لم يتغير حتى وهو على قمّة مجده!
دعَمَ ـ بصدقٍ لا يعرف العائد ـ عشرات الفنانين، منهم عبدالمحسن النمر، سعيد قريش، إبراهيم الحساوي، راضي المهنا، وآخرون كثيرون. وربما تنكّر له بعضهم لاحقًا، لكنه لم يحمل ضغينة، لأنه آمن بأن الفنان الحقيقي لا ينتظر شكرًا، بل يكتفي بأن تبقى بصمته شاهدة على مروره!
لم يُحاصر نفسه في قالب واحد. جرّب الغناء حين رشحه الراحل صالح الشهري، ووقف على خشبات مسارح سعودية وعربية، وشارك مع شركة أرامكو السعودية في أفلام توعوية بثلاث لغات أخرج بعضها مخرجون من هوليوود. قدم أعمالًا مسرحية أصبحت جزءًا من ذاكرة المسرح الخليجي، منها:
تلميذ رغم أنفه – عنبر أخو بلال – الكرة المضيئة – زواج بالجملة – هدام الدرية – المليونير – سعدية ورأيا ورأيا – الزلزال – كماشة – شوشرة!
كل عمل من هذه الأعمال لم يكن مجرد نص وأداء، بل حياة فوق الخشبة، ونَفَس إنساني يختلط بأنفاس الجمهور، ليصنع أثرًا خالدًا في ذاكرة الفن العربي!
إن تاريخًا يمتد لنحو خمسين عامًا لا يجوز أن يُترك مجرد ذكريات شفوية. مسيرة علي السبع تحتاج إلى أرشيف، توثيق، كتب وأفلام ومهرجانات تُخلّد هذه الجوهرة السعودية التي حملت الدراما من طور الهواية إلى طور الصناعة.
ولأن الوطن يُحسن الاعتراف برجالاته، يبقى الأمل كبيرًا في أن يُكرَّم هذا الرمز تكريمًا يليق بمسيرته، عبر هيئة الترفيه بقيادة معالي المستشار تركي آل الشيخ، الجيل الجديد أن الوفاء قيمة قبل أن يكون حدثًا!
حين نغادر الحياة، لا يبقى منّا سوى أثر. أما علي السبع فقد ترك أثرًا قبل أن يرحل، وترك إنسانًا قبل أن يترك فنانًا. إنه المرآة التي تعكس سؤالًا فلسفيًا عميقًا: هل قيمة الإنسان في ما قدّمه، أم في ما تركه في قلوب الآخرين؟ وعلى هذا الأساس، لن نتنازل عن محبته، لأنه لم يتنازل يومًا عن إنسانيته!
عيسى المزمومي

مقالات سابقة للكاتب