قراءة في الذاكرة
جاء الأمير تتركي – وأنا أسميه بهذا اللقب احترامًا لحقه التاريخي – مسنودًا بعلاقات من مرجعه وموصولًا وصلات من وظيفة سابقة، ومسبوقًا بدعاية هيأت له مكانة في المكان. وفوق هذا وذاك، جاء نسبه الشريف الذي يفتخر به أهل خليص، إذ كان خليص بوابة التاريخ وأهم محطات العبور بين الحرمين. وخصه الله من أثر الهجرة بعلامة = بصمة قدم نبيه ﷺ = أبو الزهراء، وجد الحسن والحسين…
هذه المهابة القادمة من مكة أكسبت لقب “الشريف” حمولاته الكاملة، فأصبح اسمًا له ودلالة على مكانته: جاء الشريف، وراح الشريف.
في بداياته، تقدم أحد التجار بشكوى ضد مواطن من أهل البلد. وبعد أن قرأها الأمير، سلّم ورقة إلى موظف موثوق يشير فيها إلى تجهيز حفل غداء على شرف التاجر ودعوة الشيخ حسن.
بعد صلاة الظهر، وعندما اقترب وقت نهاية الدوام الرسمي، كان الأمير ينتظر وصول الشيخ ليفاجئ التاجر. وعند وصول الشيخ، عرفه التاجر، لكن المفاجأة كانت أن الأمير أحال قضيته إلى الشيخ قائلاً: “هذا أمير خليص وقاضيها”. تبسم الشيخ كعادته، وقد فهم الهدف من دعوته ببراعة وبداهة.
هناك العديد من المرويات عن إصلاح الشيخ حسن، تدور كلها حول محورين: الصالح والمصلح. وما يُروى عنها ليس من قبيل الخيال، بل اعتمدنا فيه على الشهود الذين جلسوا مجلسه ورافقوه في تنقلاته، مفضلين الرواية من الشاهد المباشر على المرويات المتناقلة شفاهة، والتي قد تضيف أو تنقص بعض التفاصيل.
لخص أحد الثقاة الذين رافقوه معظم تنقلاته سيرته الإصلاحية بقوله: “كان رحمه الله إذا سمع بأي نزاع سواء في خليص أو القرى المجاورة، يبادر فورًا ويصلح بين الأطراف المتنازعة.” وأضاف: “كان بمثابة قاضٍ ومحافظ ومدير شرطة.” وأكد: “كان أمير رابغ يحيل له بعض القضايا المستعصية.”
كل هذه الأمور شائعة ومتداولة في ذاكرة الناس، تنتقل من جيل إلى جيل. ولا يخلو مجلس أو مناسبة من ذكرها، حتى أن الصدف غالبًا ما تجمعنا مع من يروي حكاياته بشموخ، وكأن وجود الشيخ في ذاكرته هو غايته التي رفعت من شأنه. بلغت شهرته حدًا أصبح فيه من المعلوم والمتداول أن الناس يستغربون إذا طال أمد قضية ولم تُحل، ويتساءلون: “هم ما استووا، أين الشيخ حسن؟” كأنه كان الضامن للسلام بحكم التكليف لا التطوع.
محمد علي الشيخ
مقالات سابقة للكاتب