حين تمرّ الأعوام مزدحمة، لكن بلا أثر واضح يمرّ الزمن على الجميع بالوتيرة نفسها، لكن أثره في الداخل يختلف من إنسان لآخر.
عامٌ ينقضي، وآخر يبدأ، وبينهما يقف المرء محمّلًا بما تعلّمه لا بما تمناه. فالفارق الحقيقي لا تصنعه الأيام، بل درجة الوعي ونحن نعبرها.ليس السؤال الأهم: ماذا لو عاد بنا الزمن؟ بل السؤال الأصدق: ماذا نفعل الآن، وقد عرفنا؟كثير مما نسمّيه أهدافًا يتبيّن لاحقًا أنه لم يكن سوى رغبات واسعة. جميلة في التعبير، لكنها ضبابية في الاتجاه.
وحين يغيب التحديد، يتبدد الجهد، ويصبح الانشغال دورانًا في المكان نفسه، مهما بدا مرهقًا أو مزدحمًا.المشكلة غالبًا لا تكون في القدرة، بل في الوضوح.
فمعرفة ما لا نريده أسهل من تعريف ما نريده فعلًا. وحين لا تكون للهدف ملامح واضحة، يستحيل قياس التقدّم، ويضيع الفرق بين الاقتراب والتيه.الوجع الحقيقي لا يكمن في الفشل، بل في مرور الوقت دون دليل صادق على التقدّم. أن تمتلئ الأيام بالانشغال، بينما يبقى الموقع الداخلي ثابتًا؛ لا لأن الطريق مسدود، بل لأن الوجهة لم تُحدَّد منذ البداية.كثير من الإنجازات التي لم تتحقق لم تكن مستحيلة. كتاب تأخر لأن نهايته لم تكن واضحة. صحة أُهملت لأن نتائجها لا تُلاحظ فورًا.
وخطوات أُجلت لأن السؤال الجوهري لم يُطرح: هل هذه الخطوة ممكنة الآن؟ وهل لها صلة حقيقية بالمسار؟الحياة لا تطلب أحلامًا أكبر، بل أهدافًا أصدق. أهداف يُعرف سبب اختيارها، ويمكن الالتزام بها، وترتبط بما له معنى حقيقي، لا بما يصفّق له الآخرون. والأهم أن تكون مرتبطة بزمن، لأن الزمن يمنح الهدف جدّيته ويحدّ من التسويف.حين يتحقق هذا الوضوح، تتغيّر العلاقة بالأيام نفسها.
تصبح الخطوات أهدأ، لكنها أثبت، ويغدو التقدّم مسافة يمكن ملاحظتها، لا شعورًا عابرًا.العام الحالي لا يختبر الأحلام، بل يختبر الوضوح.
ولا يسأل عمّا يُقال، بل عمّا يُفعل كل يوم. فإمّا أن يكون شاهدًا على انتقال حقيقي، أو رقمًا آخر يُضاف إلى أعمارٍ طويلة… بلا أثر.
حسن القحطاني
مقالات سابقة للكاتب