مشهد في الحرم أسقط رواية الفوضى

في لحظات نادرة، لا يكون الحدث مجرد واقعة عابرة، بل يتحول إلى مرآة صادقة لقيم دولة، ووعي مؤسسات، وحقيقة رجال يعملون بصمت. ما جرى في المسجد الحرام مؤخراْ، حين تدخل أحد رجال الأمن لإنقاذ شخص قفز من الدور العلوي، هو أحد تلك اللحظات التي تستحق التوقف عندها بعمق، لا بوصفها مشهداْ طارئاْ، بل باعتبارها رسالة كاملة المعنى.

في جزء من الثانية، كان القرار حاضراْ، والتدخل حاسماْ، دون تردد أو حسابات شخصية. رجل الأمن لم يفكر في الخطر الذي قد يطاله، بل في إنقاذ روح بشرية، وفي أداء واجبه في مكان هو الأقدس والأكثر حساسية في وجدان المسلمين. هذا التصرف لم يكن استعراضاْ، بل انعكاساْ طبيعياْ لتدريب مهني، ومسؤولية أخلاقية، وإنسانية راسخة.

مثل هذه المواقف لا تُزعج أحداْ بقدر ما تُربك من اعتادوا البحث عن الفوضى في كل حدث. فهناك من لا يستطيع التعامل مع الصورة الكاملة، فيلجأ إلى اقتطاع المشاهد من سياقها، أو تضخيم ردود الأفعال، أو إعادة تدوير اللقطات بطريقة تخدم سرديات جاهزة لا علاقة لها بالحقيقة. ليس لأن المشهد غامض، بل لأن وضوحه لا يخدم تلك الأجندات.

الحقيقة أن أمن الحرمين الشريفين لا يقوم على التنظيم وحده، ولا على الحضور الكثيف، بل على رجال مدرَّبين، واعين، يدركون قيمة المكان، وحساسية اللحظة، وقدسية الأرواح. وما حدث في هذا الموقف يبرهن أن رجال الأمن في المملكة لا يؤدون دوراْ تقنياْ فحسب، بل يحملون رسالة إنسانية ووطنية في آن واحد.

اللافت أن محاولات التشويه غالباْ ما تفشل أمام الوعي العام، لأن المجتمع بات أكثر قدرة على التمييز بين الحقيقة والتلاعب. فحين يكون الفعل صادقاْ، لا يحتاج إلى تزيين، وحين تكون النية واضحة، تسقط كل محاولات الاجتزاء والتهويل. بل إن هذه المحاولات تنقلب على أصحابها، فتُظهر حجم التناقض بين الواقع وما يُراد تسويقه.

إن مثل هذه المشاهد لا تعزز الثقة في المؤسسات الأمنية فحسب، بل ترسل رسالة هادئة وقوية في الوقت نفسه: أن هذا الوطن محاط برجال يعرفون واجبهم، ويتقدمون حين يتراجع غيرهم، ويحضرون بالفعل لا بالضجيج. وهي رسالة لا تُقال في بيان، بل تُكتب في الميدان.

وفي الحرم المكي الشريف، حيث تتقاطع القداسة مع المسؤولية، يصبح كل تصرف محسوباْ، وكل قرار له وزنه. وما جرى يؤكد أن حماية الأرواح أولوية لا تقبل المساومة، وأن الأمن الحقيقي هو ذاك الذي يجمع بين الحزم والرحمة، وبين الجاهزية والإنسانية.

تحية تقدير لكل رجل أمن يؤدي عمله بصمت، وتحية خاصة لمن جسّد في لحظة واحدة معنى الشجاعة والواجب. فالأوطان لا تُحمى بالشعارات، بل برجال يصنعون الفرق حين تختبرهم اللحظة، وتنكشف النوايا.

محمد عمر حسين المرحبي

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *