زمن السيولة هو الزمن الذي لم تعد فيه الأشياء ثابتة فقد أصبحت القيم سائلة، والمواقف متحركة، والعلاقات قابلة للاستبدال، والالتزام مؤجل دائمًا بحجة الظرف.
هو زمن لا تُنقَض فيه القيم صراحة، بل تُفرَّغ من معناها بهدوء، وهكذا لا نعيش زمن انهيارٍ صاخب، بل زمن ذوبانٍ هادئ، تتغيّر فيه المعاني قبل أن تتغيّر الأسماء.
لسنا نعيش زمن سقوط القيم، بل زمن سيولتها، والفرق بين السقوط والسيولة فرقٌ دقيق وجذري، فالسقوط يُرى ويُقاوَم، أما السيولة فتتسلّل بهدوء، وتعيد تشكيل المعاني، حتى يغدو التفريط مرونة، والتراجع حكمة، والوفاء عبئًا أخلاقيًا لا يناسب متغيرات العصر.
في زمن السيولة، لا تُكسَر القيم صراحة، بل تُذاب، لا يُقال هذا خطأ، بل يُقال هذا واقع، ولا يُقال هذا خذلان، بل يُقال تغيّرت الظروف، وهكذا لا تموت القيم، بل تفقد وزنها، وتغدو خفيفة إلى حدّ الاستبدال.
في الأزمنة الراسخة، كانت القيم أثقل من المصالح، تنظّمها وتحدّها وتمنحها مشروعيتها، أما اليوم فقد انقلب الميزان، صارت المصالح تُعيد تعريف القيم، وأصبح السؤال لا يدور حول ما هو الصواب، بل حول ما هو الممكن، وما هو الأسرع، وما هو الأقل كلفة، وهنا تبدأ الأزمة الحقيقية.
تصرّمُ الأيام ومرورُ عامٍ بعد عام ليس حدثًا زمنيًا محايدًا، بل امتحانٌ أخلاقيٌّ صامت، فالأيام لا تمرّ فقط، بل تكشف الثابت من الزائل، وتُفرِز القيم الأصيلة من تلك التي كانت تعيش على هامش الظرف، باختصار هي اختبار القيم الصامت
في زمن السيولة، لا يُقاس الإنسان بما قاله يومًا، بل بما بقي عليه حين تغيّرت الأيام، حين كانت الطريق ممهّدة، بدت القيم سهلة، والوفاء مريحًا، والصبر مقبولًا.
الأيام لا تقتل القيم، لكنها تكشف هشاشتها، فالذي كان صادقًا لأن الصدق لا يكلّفه، يتراجع حين يصبح مكلفًا، والذي صبر لأن المقابل قريب، يضجر حين يطول الانتظار… أما من جعل القيم جذورًا لا شعارات، فإن مرور الأيام لا يُضعفه، بل يُثبّته.
ومن أكثر القيم تعرّضًا للتآكل في هذا الزمن هو الوفاء، لا لأنه ضعيف، بل لأنه ثقيل، وزمن السيولة لا يحتمل الأثقال.
فيُعاد تصنيفه، فمرة على أنه سذاجة، ومرة على أنه عائق للنجاح وأخرى على أنه ترف أخلاقي لا يناسب منطق السوق والزمن.
لكن الحقيقة أبسط وأقسى فالوفاء هو آخر الجسور التي تمنع الإنسان من التحوّل إلى رقم، ومن التفكك الداخلي حين تتغيّر الوجوه وتتبدّل المواقع.
وفي زمن السيولة، لا تأتي الانحرافات بوجهها الحقيقي، بل بقناع التكيّف (لا تقول أنا مخطئ، بل تقول أنا واقعي)، لا ترتدي ثوب الخطأ، بل لغة الإدارة، ومنطق الضرورة، وحجّة المرحلة، وهكذا لا يُدان الفعل، بل يُعاد تسويقه.
أخطر ما في زمن السيولة هو الخلط بين المرونة والتنازل، المرونة أن تغيّر الوسيلة دون أن تمسّ المبدأ، أما التنازل فهو أن تغيّر المبدأ لتُريح الوسيلة.
القيم لا تعادي المرونة، لكنها لا تعيش بلا حدود، وحين تُنزَع الحدود باسم الواقعية، تتحوّل القيم إلى ديكور أخلاقي لا أكثر.
في الأزمنة الراسخة القيم تُنظّم المصالح، في زمن السيولة المصالح تُعيد تعريف القيم، ولهذا نسمع عبارات مثل (هذا واقع السوق، هذه طبيعة المرحلة، الجميع يفعل ذلك …).
يتبادر إلى الذهن سؤال: كيف تبدو القيم في هذا الزمن؟
فتكون الإجابة بأنها ليست غائبة تمامًا، لكنها مؤقتة بدل أن تكون ثابتة، انتقائية بدل أن تكون مبدئية، مشروطة بدل أن تكون أخلاقية، فالصدق يُمارس حين لا يكلّف، والوفاء يُحتفى به ما دام نافعًا، والعدل يُؤجَّل حتى إشعار آخر.
الإنسان في هذا الزمن وفي كل الأزمان سيبقى هو المحور، ليس بما يعلنه، بل بما يثبُت عليه حين لا يكون الثبات مريحًا.
القيم لا تطلب الكثرة، ولا تحتاج أن تكون شائعة، بل أن تكون راسخة، فالنجاة في زمن السيولة لا تكون بالانسحاب من القيم، ولا بالتشبّث الأعمى بالشكل، بل بالوعي الذي يُفرّق بين الثبات والجمود، وبالحكمة التي تحفظ الجوهر وتُغيّر الأسلوب.
ومع استقبال عامٍ جديد، لا يكون السؤال الحقيقي ماذا سنفعل؟، بل من سنبقي؟
فالأعوام لا تصنع إنسانًا جديدًا بذاتها، لكنها تمنحنا فرصة نادرة لمراجعة ما بقي فينا ثابتًا رغم انقضاء الأيام، العام الجديد لا يأتي باليقين، بل بالأسئلة (عن القيم التي صمدت، وتلك التي ذابت تحت ضغط المصلحة، وعن الوفاء الذي بقي عهدًا، أو تحوّل إلى ذكرى مؤجلة).
استقبال عام جديد ليس احتفالًا بالرقم، بل وقفة أمام المرآة، ننظر فيها إلى صبرنا (هل كان صبر أرضٍ تُنبت، أم صبر تآكلٍ يُنهك؟، وإلى وفائنا هل كان جذرًا ثابتًا، أم وعدًا مشروطًا بالراحة؟، وإلى قيمنا هل رافقتنا حين اشتدّ الطريق، أم غادرت عند أول منعطف فانحدرت في الطريق؟).
في زمنٍ تُعاد فيه صياغة المبادئ عند البعض تحت مسمّى الواقعية، يصبح الثبات على القيم فعلًا شجاعًا، لا تكرارًا تقليديًا، فالعام الجديد لا يطلب وعودًا كبيرة، بل قرارًا واحدًا صادقًا (ألا نسمح للسيولة أن تذيب ما بقي فينا من إنسانية).
القيم في زمن السيولة لا تحمينا دائمًا من الخسارة، لكنها تحمينا من الضياع، فالأيام تمضي، والأعوام تتصرّم، لكن القيم وحدها تقرر هل نمرّ في الزمن عابرين، أم نترك فيه أثرًا يستحق البقاء؟
القيم لا زمن لها… لكنها وحدها تمنح الزمن معنًى، وفي زمن السيولة، أعظم النجاة ألا نفقد أنفسنا ونحن نواكب التغير.
عبدالله عمر باوشخه
مقالات سابقة للكاتب