في خِضمّ الحياة، وزحمة المشكلات، حيث تتناوب الأيام بين أفراحٍ عابرة وأحزانٍ ثقيلة، يتغنّى الشباب بأصدقائهم، ويتفاخر الزملاء بمعارفهم، وفي كل مناسبة نسمع: كنت مع أصدقائي، ذهبت إلى زملائي، طلعت مع أصحابي!
لكن الحقيقة: من هو الصديق الحقيقي؟
هذه الحقيقة كثيرًا ما تغيب عن الأذهان؛ فليس كل من ضحك معك صديقًا، وليس كل من زاملك سنينًا عديدة صديقًا. إذًا، من هو الصديق الوفي الذي يُعدّ وجوده أعظم هدية يمنحها الله للإنسان؟
ليس الصديق مجرد رفيق طريق، بل هو قلبٌ آخر ينبض بجوار قلبك، يشاركك همومك قبل أفراحك، ويذكّرك بأنك لست وحدك في مواجهة تقلّبات الحياة ومصارعة أمواجها.
الصديق الوفي هو الذي يراك متعثّرًا فيساندك، ويجدك حائرًا فيرشدك، ويشعر بفرحك كأنه هو المعنيّ به. هو الذي لا يتركك حين يبتعد عنك الآخرون، ولا يساوم على صداقتك مهما تغيّرت الظروف والأحوال.
الصديق الوفي هو الذي يتمثّل نهجك، ويكون وجهك الآخر في العملة؛ عزيزٌ، نادرٌ، ولكن يمكن الظفر به، فالغرض يتحقّق ولو بصديق واحد.
وفي المقابل، هناك صداقات زائفة تترك في القلب شرخًا لا يُمحى؛ صداقة تُبنى على المصلحة، أو تُهدم عند أول اختبار.
الصديق غير الحقيقي هو من يبتسم لك حين يحتاجك، ويغيب عنك حين تحتاجه. هو من يسرق وقتك دون أن يمنحك دفئًا، وقد يُخفي وراء الكلمات نوايا أخرى لا تعرفها.
لذا فإن اختيار الصديق الوفي ليس رفاهية، بل قرار مصيري يحدّد ملامح رحلتك في الحياة؛ فالصديق الصادق يرفعك إلى قمم الثقة والطمأنينة، بينما الصداقة الزائفة قد تُسقطك في هاوية الوحدة والخذلان.
فلنكن حكماء في أفكارنا وقلوبنا؛ نفتح أبوابها لمن يستحق، ونغلقها أمام من يستهين بصدق المشاعر. فالحياة قصيرة، ولا تستحق أن نُهدرها في علاقات باردة، بينما يمكننا أن نعيشها مع أصدقاء أوفياء يضيئون دروبنا بالحب والوفاء.
ولعل من أصدق الأمثلة على الوفاء بين المتحابين: صداقة أبي بكر الصديق رضي الله عنه مع حبيبه وصديقه رسول الله ﷺ في أحداث الهجرة؛ حين سبق أبو بكر فدخل الغار قبل رسول الله ﷺ ليتأكّد من خلوّه من أي خطر، ويجعل من نفسه درعًا يحمي به صديقه ورسوله.
هذا الموقف يوضّح أن الصديق الوفي يقدّم نفسه فداءً لصديقه دون تردّد.
وكذلك قصة الثلاثة من الصحابة الذين جُرحوا في المعركة، فجاءهم الماء وهم في الرمق الأخير؛ فطلب الأول أن يُسقى أخاه قبله، ثم الثاني أن يُسقى الثالث، حتى عاد الماء إلى الأول وقد فاضت أرواحهم جميعًا قبل أن يشربوا.
هنا تتجسّد التضحية والإيثار حتى في لحظة الموت، حيث فضّل كل واحدٍ منهم حياة صديقه على حياته.
إذا المرءُ لا يرعاكَ إلا تكلُّفًا ** فدَعهُ ولا تُكثِرْ عليهِ التأسُّفا
ففي الناسِ بَدلٌ، وفي التَّركِ راحةٌ ** وفي القلبِ صبرٌ للحبيبِ ولو جفا
د. صلاح محمد الشيخ
مستشار أسري وتربوي