في زمنٍ تتسارع فيه الأحداث ويعلو فيه الضجيج، لم نعد نعيش الوقائع كما هي، بل كما نشعر بها. خبر واحد قادر على أن يرفع منسوب الغضب، وآخر يزرع الخوف، وثالث يشعل الحماسة، وكل ذلك قبل أن نعرف الحقيقة كاملة. هكذا باتت المشاعر تسبق الفهم، والانفعال يتقدم على التفكير.
لم يعد الوعي في عالمنا العربي يُصنع عبر الفكرة الهادئة أو النقاش المتزن، بل أصبح في كثير من الأحيان نتيجة مباشرة لما نشعر به لا لما نفكر فيه. الغضب، الخوف، الحماس، الإحباط، كلها مشاعر باتت تتحكم في طريقة تلقينا للأحداث وفهمنا لها، حتى صارت المشاعر هي البوابة الأولى التي نعبر منها إلى الواقع.
في منصات التواصل الاجتماعي لا يُكافأ المحتوى الأكثر صدقاْ أو عمقاْ، بل المحتوى الأكثر قدرة على إثارة الانفعال. منشور يثير الغضب ينتشر أسرع من تحليل متزن، ومقطع يحرّك الخوف أو الحماسة يتقدم على أي محاولة للفهم أو التفسير. ومع التكرار، تتحول هذه الحالة إلى نمط عام، فيعتاد الناس التفاعل قبل التفكير، والانحياز قبل الفهم، والحكم قبل التحقق.
المشكلة أن هذا الأسلوب لا يصنع وعياْ حقيقياْ، بل يصنع جمهوراْ متوتراْ، سريع الاشتعال، قصير النفس، يعيش على موجات متلاحقة من الانفعال. اليوم قضية، وغداْ قضية أخرى، وبينهما لا وقت للسؤال أو المراجعة. وهكذا يصبح المواطن متلقياْ دائمًا، يشعر كثيرًا لكنه يفعل قليلاْ، وينفعل أكثر مما يفهم.
في واقع عربي مليء بالأزمات والتحديات، يسهل استدعاء المشاعر واستثمارها. يكفي اختيار زاوية معينة للحدث، وتكرارها، وربطها بلغة حادة، حتى تتشكل قناعة عامة لا تقوم على المعرفة بقدر ما تقوم على الإحساس. ومع غياب الصوت الهادئ الذي يشرح ويوازن، تصبح العاطفة هي اللغة السائدة، ويصبح الاختلاف في الرأي سبباْ للاتهام لا للحوار.
الأخطر من ذلك أن كثرة الانفعال تُنهك المجتمع نفسياْ. حين يعيش الناس في حالة غضب أو خوف مستمر، يفقدون قدرتهم على التفكير الطويل، وعلى رؤية الحلول، وعلى الصبر المطلوب لأي إصلاح حقيقي. يتحول النقاش العام إلى ساحة صراخ، وتضيع القضايا الكبرى بين المبالغة والتشكيك، وبين التهويل والتسطيح.
هذا لا يعني أن المشاعر أمر سلبي، فالعاطفة جزء أصيل من إنسانيتنا، لكنها حين تقود وحدها تصبح عبئاْ لا قوة. المطلوب ليس إلغاء الشعور، بل ضبطه، وربطه بالعقل، وتحويله من ردّة فعل إلى دافع للفهم والعمل. الهدوء ليس ضعفاْ، والتريث ليس خيانة، والتفكير ليس بروداْ تجاه القضايا.
نحن بحاجة إلى وعي لا يُستفز بسهولة، ولا يُقاد بالضجيج، ولا يخلط بين الصراخ والحق، ولا بين الحماسة والحكمة. وعي يدرك أن أخطر ما يمكن أن يحدث للمجتمع هو أن يعيش دائماْ في حالة انفعال، دون أن يتقدم خطوة واحدة نحو الحل.
الوعي الحقيقي لا يقاس بحدة المشاعر، بل بقدرتنا على فهم ما نشعر به، ولماذا نشعر به، وإلى أين يقودنا ذلك الشعور. وحين ننجح في هذه المعادلة، فقط، نخرج من دائرة الاستهلاك العاطفي إلى مساحة المسؤولية والبناء.
محمد عمر حسين المرحبي
مقالات سابقة للكاتب