خليص في التاريخ المنسي ( ٣٢ )

قراءة في الذاكرة

يلتبس النص على القارئ أحيانًا، ولا يعود ذلك في الغالب إلى غموض أو إبهام أو خفاء في المكتوب، بل إلى بُعد المسافة بين الحدث وروايته؛ فكلما ابتعدت شواهد الحدث في الحقبة الزمنية، تناقصت واقعيته لدى المستمع والقارئ، وانحجزت اهتماماته بين قوسين: اللامبالاة والأسطرة (الإمعان في التخييل).

غير أن هناك منطقة بين الحالتين (اللامبالاة والأسطرة) تتداخل فيها هزلية القارئ وشيطنة النص؛ فتعبر خلسةً بعض المداخلات على سطوح زلقة، بحسن نية أحيانًا، وسلبية كارثية أحيانًا أخرى. وتدور هذه المداخلات حول محاور أبرزها: خلخلة بنية الخطاب، وتهميش قناعة الكاتب، وكلها تعبير ضمني عن رغبة في إثبات الحضور، وأحقية المشاركة في قراءة النص.

قد تكتب في صحيفة، أو تروي حادثة في مجلس، أو ندوة ثقافية، فيتفاعل بعض الحضور ممن لهم علاقة متزامنة بتوقيت الحادثة، أو مجايلة لحياة الشخص، وتنزع البقية – الغائبة عن المشهد – إلى توظيف المداورة والحِجاج للتشكيك في الرواية، أو نقضها، أو حرف المقولات عن سياقها. وأكثر ما يتجلى هذا الخطاب في الكتابة عن ذاكرة المكان، وهو محور انشغالي هذه الفترة، لا رغبةً في الحضور؛ فلم تعد الصحف ذلك المنفذ الواسع للشهرة، بل انصرف الناس إلى وسائل الاتصال؛ الفضاء الأزرق، والأخضر، والأحمر، والأصفر، يطلبون الانتشار. ولم ينفك أهل القرى ينظرون إلى الثقافة بوصفها ترفًا لا ضرورة له. وإنك لتجدني قائمًا في محراب الكتابة منذ أكثر من نصف قرن – 25 رجب 1392هـ – ولست هاويًا، ولا متدربًا، ولا دخيلًا على عالم السرد.

كانت رغبتي أن أؤثث ذاكرةً لخليص؛ المكان والشخوص، ذلك أن خليص ليست جغرافيا فقط، وليست وثيقة تاريخية، وليست قبائل استقرت وتنازعت ثم نزحت، بل هي ذلك الفضاء الذي استوعبناه في أرواحنا. خليص هي الشهادة الإنسانية المؤثرة التي تقول:
«كنتُ الخيار الوحيد الآمن الذي تكفّل بحفظكم، وحزن لمغادرتكم؛ فلتكن القسمة عادلة، وليكن التقدير فوق المستحق».

في خليص كان التاريخ حيًّا؛ يمشي في الأسواق، ويتنفس في المدارس، ويكتب شعره على الجدران، فلا يتصدع المعنى، ولا تتحول الذاكرة إلى زخرفة؛ لأنها إذا لم تُستثمر وعيًا، تحولت إلى طقس بكاء.

هذا المقال أشبه بمرافعة عن نية صادقة سلكت طريقًا غير معبّد؛ تعبره دوريات حراسة، وتقطعه مراكز تفتيش، وتنتصب على ضفتيه كاميرات مراقبة. أعود أحيانًا لأتفقد ما كتبته، فتعترضني بعض التعليقات، ولا يضيرني منها إلا من يعرف عن (سالم الدوسري) أكثر مما يعرف عن وجهاء البلد ورموزها.

 

محمد علي الشيخ

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *