وعي شجاع

لأن أخطر ما تواجهه ليس ما يأتيك من الخارج، بل ما تسمح له أن يقيم داخلك.

في لحظة صفاءٍ نادرة، حين تُقرأ خواتيم المصحف لا بوصفها ألفاظًا محفوظة، بل بوصفها مفاتيح نجاة، تتكشف دقة عجيبة في ترتيب القرآن، وكأن السورتين الأخيرتين خُطّتا لتكونا خريطة النجاة الأخيرة للإنسان حين يضعف، لا حين يقوى.

سورة الفلق تبدأ بنداء واحد، استعاذة واحدة، واضحة الاتجاه:{قل أعوذ برب الفلق}.

ثم يأتي التفصيل: {من شر ما خلق، ومن شر غاسق إذا وقب، ومن شر النفاثات في العقد، ومن شر حاسد إذا حسد}.

كلها شرور تأتيك من الخارج؛ ليلٌ يطبق، وحسدٌ يُرمى، وأذى يُدبَّر، وعقدٌ تُنفث. أنت هنا متلقٍ؛ قد تتأذى، وقد تُصاب، لكنّك في جوهرك لم تكن أصل الشر، بل ساحة مروره.

أما سورة الناس، فالأمر أخطر، وأعمق، وأدق: {قل أعوذ برب الناس، ملك الناس، إله الناس}.

ثلاث استعاذات، لا من باب التكرار، بل من باب التدرج في السيطرة؛ ربٌّ يربي، وملكٌ يحكم، وإلهٌ يُعبد.

ثم يأتي الشر…لا من الخارج، بل من الداخل: {من شر الوسواس الخناس}.

ذلك الذي لا يهاجمك جهارًا، بل يهمس، ويزرع، ويُلوّن، ثم يختفي. ليس ليلًا، ولا حسدًا، ولا شخصًا، بل فكرة.

فكرة تضعفك، وتشككك، وتبرر لك السقوط، وتمنحك ألف سببٍ كي لا تنهض.

وهنا يكتمل المعنى العميق: قبل أن تتهم الناس، اتهم نفسك، وقبل أن تشير مرة واحدة إلى الخارج، أشر إلى نفسك ثلاث مرات. ليس جلدًا للذات، ولا قسوة على النفس، بل عدلٌ معها؛لأن أخطر أنواع الهروب أن تبحث عن سبب سقوطك في الآخرين، بينما المفتاح كان في يدك منذ البداية.

في الفلق، أنت تُستهدف؛ وفي الناس، أنت تُستدرج. شرور الخارج قد تصيبك، لكنها نادرًا ما تُفسدك، أما شرور الداخل، فإن أفسدتك، فلن تحتاج بعدها إلى عدو.

ولهذا كانت سورة الناس أشد، رغم قصرها؛ لأنها تخاطب أخطر ساحة معركة: العقل والقلب. وهنا يُعاد تعريف المسؤولية؛ ليس كل ألم سببه إنسان، وليس كل فشل مؤامرة، وليس كل تعثر ظلمًا.

حين قيل: “لا تكن رهينة، ولا تكن ضحية”، فالكلام لم يكن تحفيزًا ساذجًا، بل تشخيصًا دقيقًا؛ الرهينة ليست من تأذى، بل من بقي أسير الفكرة، والضحية ليست من وقع عليه الأذى، بل من أقنع نفسه أن لا دور له في الخلاص.

القرآن لا يعلّمك أن تنكر الشر، بل أن تضعه في حجمه الصحيح؛أن تميّز بين أذى جاءك، ووسواس سكنك، بين جرحٍ أحدثه الآخرون، وجرحٍ أبقيته أنت مفتوحًا.

سورة الفلق تعلّمك أن تلجأ إلى الله حين يهاجمك العالم، وسورة الناس تعلّمك أن تلجأ إلى الله حين تهاجمك نفسك.وحين تفهم هذا، تدرك أن النجاة ليست في الهروب من الأذى فقط، بل في ألا تسمح له أن يتحول إلى فكرةٍ تقودك، أو شعورٍ يسجنك، أو مبررٍ يشلّك.

فالاتهام الذكي يبدأ من الداخل، والتحرر الحقيقي يبدأ حين تراجع نفسك قبل أن تحاكم غيرك؛ تتعوذ، لا لأنك ضعيف، بل لأنك واعٍ، وترفض أن تكون رهينة وسواس، أو ضحية تفسير، أو أسير فكرةٍ لم تُختبر.

مقالات سابقة للكاتب

تعليق واحد على “وعي شجاع

غير معروف

مبدع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *