الحسنُ ودفءُ الانتماء جازان

جازان منطقة في جنوب المملكة العربية السعودية، منبت الحضارات، وهي لزائريها قبلة شعورية مدهشة، تُشبه الحلم حين يصبح أرضاً وواقعاً، وكالوطن حين يبتسم. مدينة دافئة في شتائها، عابقة بفلّها وياسمينها وكاديها، وكأن من خلق الطبيعة أراد أن تكون أكثر سخاءً هنا، فوهبها عطرها، وصفاءها، وطمأنينتها.

جيزان فسيفساء من المحافظات، لكل واحدةٍ نكهتها، ولكل زاويةٍ حكايتها، لكنها تجتمع جميعاً على جمالٍ واحد، وحضارةٍ واضحة المعالم، ونظافةٍ لافتة، ونظامٍ يُحترم، وهدوءٍ ينساب إلى القلب قبل العين. سكينةٌ تُفرض، تُشعرك بأنك في مكانٍ يُحسن استقبال الأرواح.

أما أهلها، فهم العنوان الأجمل. بسطاء في مظهرهم، عظماء في أخلاقهم، كرماء بالفطرة لا بالتكلف، يفتحون قلوبهم قبل بيوتهم، وتسبق ابتساماتهم كلمات الترحيب.. في وجوههم ترى الفرح الصادق، وفي تعاملهم تشعر أنك لست ضيفاً، بل واحدٌ منهم.

خلال إقامتي في هذه المدينة الحالمة، عشت متعةً خالصة؛ التقيت بالأصدقاء والمحبين، وبشركاء الأدب والحرف، وتنقلت بين محافظاتها، فشاهدت السهل وهو يبتسم، والبحر وهو يهمس، والجبل وهو يقف شامخاً، والوادي وهو يحكي حكايات الأرض الأولى.. استنشقت عبير زهورها، وصادفت أدباء ومثقفين زادوا الرحلة ثراءً، وحديثاً، وعمقاً.

وفي شتاء هذا العام 2026، وتحديداً في شهر يناير، كانت الأجواء في أجمل حالاتها؛ طقسٌ لطيف، وسماءٌ صافية، ونسماتٌ تحمل معها شعور الاكتفاء.. زيارةٌ موفقة بكل المقاييس، زاد جمالها رفقةُ أصدقاءٍ طيبين، فصارت الذكريات أدفأ، عبدالله وعبدالله.. ثنائي السعادة، ومدار البهجة.. فالأول عبدالله المرشد يرشدنا إلى الارتقاء عالياً في الأخلاق، والثاني عبدالله الغصن يظللنا بغصن الأدب والفضيلة والضحكة المؤنسة.

وكان لمهرجان جيزان، الذي احتضنه الكورنيش الشمالي بجوار البحر، حضورٌ استثنائي. مشهدٌ واحد جمع محافظات المنطقة الثلاث عشرة، فالتقت العادات والتقاليد بالنموذج العصري، وتعانق الأدب مع التراث، وارتفعت الأهازيج، وتمايلت الرقصات الفلكلورية، في لوحةٍ نابضة بالحياة، تقول إن جيزان تحفظ أصالتها وتحتفي بها.

جيزان نموذجٌ جميل لمنطقةٍ استطاعت أن تجمع بين الأصالة والمعاصرة، بين التاريخ والتجديد؛ في أزيائها، وعطورها، وأطعمتها.. أما موائدها، فهي حكاية كرمٍ بحد ذاتها، طعامٌ شهيّ، صحيّ، من خيرات الأرض، يُقدّم بأدبٍ جم، وروحٍ ودودة تشبه أهلها.

غادرت جيزان، ولم يغادرها فؤادي في الحقيقة.. تركتُ فيها شيئاً من الروح، وأخذتُ منها أكثر مما توقعت.. لم أشعر فيها يوماً بالغربة، بل شعرت أنني بين أهلي، وبين إخوتي وأخواتي.
فشكراً جيزان..

وشكراً لأهلها الطيبين، وشكراً لإمارة المنطقة على هذا الاهتمام والعناية، وشكراً لوزارة السياحة التي فتحت الطريق لاكتشاف هذا الجمال.

هي زيارةٌ لن تكون الأخيرة، بل وعدُ عودةٍ يتجدد، كلما اشتاقت الروح إلى مكانٍ يُشبه الجنان.

✍️ أحمد القاري

مقالات سابقة للكاتب

10 تعليق على “الحسنُ ودفءُ الانتماء جازان

ليلاي

أهلاً بك في أرض الأدب و الطبيعة و الجمال و الثقافة .. سعدنا بزيارتك جداً أنت إضافة جميلة للمنطقة و نفتخر بأمثالك يكتبون عن جازان بهذا الجمال الهائل .. جازان مفتوحة لك و لكل محبيها في أي وقت و في أي فصل شكراً كبيرة و كثيرة على هذا المقال الجميل .. فائق تحياتي ..

فيصل الصاعدي

جازان بلد الطبيعة والأدب،
وكل ما فيها يحب.
لم أجد كأهلها في الحفاوة
وحسن الضيافة والأدب.

f alhashimi

شوقتنا لزيارة جازان
مقطوعة أدبية تعرف بأرض عمار ثقافة وأدبا وخلقا وجمالا
صارت لوحة أدبية دعائية رائعة للمنطقة نافست الدارمي في تحويل النظر إليها
هنيئا لك ولجازان

منى العلوي

ما أجمل هذا البوح الصادق الذي كتبته عن جازان؛ كلماتك ليست وصفًا لمكان فحسب، بل حكاية قلبٍ تعلّق بأرضٍ وأهلٍ وذكريات. شعرتُ وأنا أقرأ المقال أن جيزان تتحدّث بلسانك، وأن دفء الفلّ ونسيم تهامة يتسرّبان من بين السطور.
شكرًا لهذا الوفاء الجميل، وللقدرة على تحويل التجربة إلى نصّ نابض بالمحبة والانتماء. دام قلمك وفيًّا للجمال، ودامت جازان في قلبك كما هي في قلوب محبيها

سلطان طاسجي

مقال بديع رفيع، ماتع ممتع، بورك قلمكم، جازان بقلم القاري، وعين القارئ.

م. الفضل

منطقة جميلة فعلًا واهلها من الطف البشر واكرمهم والله ، زادها جمالًا حرفك الأنيق

عدنان أحمد السقاف

هذا نصٌّ لا يُقْرَأ على عَجَل، ولا يُصافَح مرورًا؛ بل يُستَقبل كما تُستَقبل المدنُ التي تُحِبّك قبل أن تُحبّها.
في مقال الشاعر أحمد القاري لا تكون جيزان مكانًا على الخارطة، بل حالةً وجدانية، وذاكرةً تمشي على قدمَي حنين، وتفتح ذراعيها للقادم حتى لو كان عابرًا.

كتب القاري بصدقٍ لا يتزيّن، وبعاطفةٍ لا تُبالغ، فجاء النصّ شبيهًا بأهله: دافئًا، كريمًا، قريبًا من القلب دون ادّعاء. لم يُكثر من الوصف، لكنه أصاب الجوهر؛ ولم يرفع الصوت، لكنه بلغ الأثر. فكانت الكلمات مثل الفلّ الذي ذكره: بسيطًا في شكله، عميقًا في أثره، يعلق بالروح أكثر مما يعلق باليد.

هذا مقالٌ يُشبه الاعتراف الجميل، ويُحسن الوفاء للمكان والإنسان معًا؛ إشادةً لا تُجامِل، وامتنانًا لا يُستَعرض.
تحيةً للنصّ الذي كتب القلب، وللكاتب الذي عرف أن أعظم الكتابة هي تلك التي تقول: كنت هنا… فأحببت، فبقي الأثر.

عبدالرشيد ساعاتي

ياقادما من أرض غرس والزرقاء والمنبرى
حملتك العيون بين الاصداف ونعيم الثرى
نعم هذا هو ديدن جازان واهلها اصالة وكرم وضيافة يفوح عطرها على ضفاف شطئانها الجميلة وبين حنايا جبالها الرطبة…اسعدكم الله واسعد مضيفيكم .

محمد المغذوي ، المدينه المنوره

اخي احمد القاري الكاتب والشاعر والأديب ، مبدع كماعهدناك ، لافُض فوك على هذه الدرر التي اطلقتها عن جازان وأهلها الأخيار .
تقبل تحياتي ، محمد المغذوي

فاطمة الصباح

غادرت جيزان، ولم يغادرها فؤادي في الحقيقة.. تركتُ فيها شيئاً من الروح،
على يقين أنك غادرت جسداً لاروح وبقيت تلك الفكرة المؤجلة في ذاكرتك وأتت إلينا بهذا الجمال
هكذا هي الرحلات نذهب برداء ونعود برداء مختلف وروح مختلفة وكل ماكان مؤجل أصبح حاضر
أبدعت الوصف والجمال جزء من حرفك الباهي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *