لم تكن السنوات الماضية سهلة، ولم تدّعِ ذلك.
لقد سلبت مني بريق لمعة عينيّ، وبهجة قلبي، ونعومة وجهي حين أبتسم، وحوّلتني إلى شمعةٍ لا تكاد تشتعل.
كانت ثقيلة بما يكفي لتجبر الإنسان على التوقّف، لهدم أحلامه، ولعدم مواصلته، والاكتفاء بالنظر فقط دون المحاولة، وعلى إعادة النظر في نفسه، وفي تصوّراته عن الحياة، وعن الآخرين، وحتى عن قدرته على الاحتمال.
نميل غالبًا إلى اختصار التجارب القاسية في كلمة واحدة: ألم.
لكن الحقيقة أن الألم ليس سوى الواجهة.
خلفه دائمًا شيء آخر يتشكّل بصمت: وعي جديد، نظرة أوسع، أو نسخة أنضج منّا لم نكن نخطّط لبلوغها.
في كل تجربة صعبة، لا نخسر فقط، بل نتعلّم.
نتعلّم أن بعض العلاقات لا تُقاس بطولها، بل بصدقها.
وأن الخذلان لا يأتي دائمًا من سوء نية، بل أحيانًا من اختلاف التوقّعات.
وأن القوة لا تعني الصلابة المطلقة، بل القدرة على الاستمرار رغم التشقّقات.
المفارقة أن الإنجاز غالبًا لا يولد في أوقات الطمأنينة، بل بعد مراحل من التشتّت، والتعب، وإعادة الترميم الداخلي.
بعد أن تسقط النسخ القديمة من أحلامنا، وتتغيّر معاييرنا، ونتوقّف عن محاولة إثبات شيء لأي أحد، سوى لأنفسنا.
التجارب القاسية لا تمنحنا الإجابات مباشرة، لكنها تعلّمنا كيف نطرح الأسئلة الصحيحة:
من نحن؟
ما الذي نستحقّه فعلًا؟
وأيّ الطرق يُشبهنا، حتى وإن كان أطول؟
وربما كان أثقل ما في هذه الرحلة أنها رحلة صامتة.
لا يلاحظ الآخرون حجم ما تغيّر في الداخل، ولا مقدار الجهد المبذول للوقوف مجددًا.
لكن هذا الصمت تحديدًا هو ما يصنع العمق، ويمنح الإنسان نضجًا لا يمكن تزييفه.
لسنا أقوى لأننا لم نتألم،
بل لأننا لم نسمح للألم أن يمرّ بنا دون أن يترك أثرًا نافعًا.
فخلف كل تجربة قاسية، هناك معنى يتكوّن بهدوء…
ومعنى كهذا لا يضيع.
ها أنا أعود بمحاولات شخصٍ يسعى لتجديد شغفه من جديد، ليثبت لنفسه أن التوقّف كان مجرّد مرحلة لتعبئة الوقود لما سيأتي غدًا.
شذى المزروعي
مقالات سابقة للكاتب