الحلقة الثانية:
تعريف الشباب السعودي وخصائصهم النفسية والاجتماعية
أولًا: تعريف الشباب السعودي
يُعدّ الشباب فئة عمرية محورية في أي مجتمع، نظرًا لدورهم الحيوي في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. ووفقًا للمنظمات الدولية، يُعرَّف الشباب عادة بأنهم الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و29 عامًا، بينما تشير بعض الدراسات المحلية في المملكة العربية السعودية إلى أن فئة الشباب قد تمتد حتى عمر 35 عامًا، وذلك مراعاةً للخصائص السكانية والثقافية الخاصة بالمجتمع السعودي.
ويُشكّل الشباب السعودي نسبة كبيرة من سكان المملكة، إذ تشير الإحصاءات إلى أن أكثر من 60٪ من السكان دون سن 30 عامًا، مما يجعل هذه الفئة محورًا أساسيًا للسياسات التنموية والاجتماعية. كما يتميز الشباب السعودي بالتفاعل المستمر مع التحولات التكنولوجية والثقافية الحديثة، واهتمامهم المتزايد بالمعرفة والابتكار، الأمر الذي يجعلهم الفئة الأكثر استخدامًا وتأثرًا بالإعلام الجديد.
ثانيًا: الخصائص النفسية للشباب السعودي
يمرّ الشباب، بمن فيهم الشباب السعودي، بمرحلة حيوية من النمو النفسي والعقلي، وتتسم هذه المرحلة بعدد من الخصائص المهمة، من أبرزها:
البحث عن الهوية والانتماء:
يسعى الشباب إلى تكوين هوية مستقلة عن الأسرة والمجتمع، ويبحثون عن القبول الاجتماعي والاعتراف بالقدرات الشخصية. ويجعلهم ذلك أكثر عرضة لتأثير الإعلام الجديد، لا سيما في تشكيل صورة الذات من خلال المقارنات الاجتماعية التي تفرضها المنصات الرقمية.
الحساسية العاطفية والتقلب المزاجي:
غالبًا ما يتسم الشباب بحساسية مرتفعة تجاه النقد أو التقييم الاجتماعي، ويستجيبون بسرعة للأحداث والمواقف، سواء بشكل إيجابي أو سلبي. وقد يؤدي التفاعل المكثف والمستمر مع وسائل الإعلام الجديد إلى زيادة مستويات القلق والتوتر النفسي.
القدرة على التعلم والتكيف:
يمتلك الشباب مرونة ذهنية وقدرة عالية على اكتساب المهارات الجديدة، مما يساعدهم على الاستفادة من التكنولوجيا والإعلام الجديد بسهولة، إلا أن هذه المرونة قد تجعلهم في الوقت ذاته أكثر تأثرًا بالمحتوى السلبي أو الضار.
الميل إلى المخاطرة والتجربة:
يميل الشباب بطبيعتهم إلى البحث عن كل ما هو جديد ومثير، وتجربة الأفكار والأنشطة غير المألوفة، الأمر الذي يدفعهم إلى الانخراط المكثف في استخدام الإعلام الجديد، بما يشمل وسائل التواصل الاجتماعي، الألعاب الإلكترونية، والمحتوى التفاعلي.
ثالثًا: الخصائص الاجتماعية للشباب السعودي
من الناحية الاجتماعية، يتميز الشباب السعودي بعدة سمات ترتبط بعلاقتهم بالمجتمع والأسرة والمؤسسات المختلفة، من أبرزها:
الاهتمام بالعلاقات الاجتماعية:
يميل الشباب السعودي إلى التفاعل المكثف مع أقرانهم، سواء في الواقع أو عبر الفضاء الرقمي. وقد أصبحت وسائل الإعلام الجديد منصة أساسية لتكوين العلاقات الاجتماعية، وتبادل الآراء، والانخراط في المجتمعات الافتراضية.
الوعي المجتمعي والثقافي:
يتسم الشباب السعودي بوعي متزايد بالقضايا الوطنية والدولية، واهتمام بالمشاركة في الفعاليات الثقافية والاجتماعية وحتى السياسية. ويسهم الإعلام الجديد في تعزيز هذا الوعي، إلا أنه قد يعرّضهم في الوقت ذاته لمعلومات مضللة أو غير دقيقة.
الاعتماد على التكنولوجيا:
يمثل الشباب السعودي الفئة الأكثر استخدامًا للتكنولوجيا الحديثة، حيث يعتمدون على الهواتف الذكية والإنترنت بشكل يومي في التواصل والتعليم والترفيه، مما يجعلهم أكثر عرضة للتأثيرات النفسية الناتجة عن الاستخدام المكثف للإعلام الجديد.
الانفتاح على العالم الخارجي:
في ظل التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي تشهدها المملكة، أصبح الشباب أكثر انفتاحًا على الثقافات والقيم العالمية، وهو ما يعزز الإبداع ويوسّع آفاق التعلم، لكنه قد يؤدي أحيانًا إلى صراعات داخلية تتعلق بالهوية بين القيم المحلية والقيم المستوردة.
وفي المجمل، يمثل الشباب السعودي فئة فاعلة وحيوية في المجتمع، تتسم بالمرونة والقدرة على التكيف مع التغيرات الحديثة نفسيًا واجتماعيًا. غير أن هذه الخصائص نفسها تجعلهم أكثر عرضة لتأثيرات الإعلام الجديد، سواء الإيجابية منها كالتعلم والانفتاح، أو السلبية مثل القلق، والإدمان الرقمي، واضطراب الهوية والانتماء. ومن هنا تبرز أهمية دراسة هذه الفئة بعمق لفهم طبيعة هذه التأثيرات ووضع استراتيجيات توعوية مناسبة.
نظريات التأثير الإعلامي على السلوك النفسي والاجتماعي
يلعب الإعلام، سواء التقليدي أو الجديد، دورًا محوريًا في تشكيل السلوكيات والاتجاهات النفسية والاجتماعية للأفراد. وقد طوّر الباحثون عددًا من النظريات التي تسعى إلى تفسير كيفية تأثير الإعلام على الجمهور، ولا سيما فئة الشباب، ومن أبرز هذه النظريات:
1- نظرية التعلم الاجتماعي (Social Learning Theory)
تُعدّ هذه النظرية من أهم النظريات التي تفسر تأثير الإعلام على السلوك، إذ تشير إلى أن الأفراد، وخاصة الشباب، يتعلمون السلوكيات والقيم من خلال ملاحظة الآخرين وتقليدهم، سواء في الواقع أو عبر وسائل الإعلام.
التطبيق على الإعلام الجديد:
قد يقوم الشباب السعودي بتقليد السلوكيات المنتشرة على وسائل التواصل الاجتماعي، مثل أنماط الموضة، واستخدام اللغة، وحتى السلوكيات العاطفية أو العدوانية، استنادًا إلى ما يشاهدونه متكررًا أو يحظى بإعجاب وتفاعل واسع.
الأثر النفسي والاجتماعي:
يمكن أن يسهم هذا التأثير في تعزيز سلوكيات إيجابية كالتعاون والإبداع، لكنه قد يؤدي أيضًا إلى سلوكيات سلبية مثل الانحراف الاجتماعي أو الانجذاب إلى المحتوى العنيف أو غير الملائم.
2- نظرية الغرس الثقافي (Cultivation Theory)
تفترض هذه النظرية أن التعرض المستمر والمكثف لوسائل الإعلام يؤدي إلى تشكيل إدراك الأفراد للواقع، بحيث يبدأون في رؤية العالم وفق الصورة التي ترسمها لهم هذه الوسائل.
التطبيق على الإعلام الجديد:
قد تتكوّن لدى الشباب السعودي الذين يقضون ساعات طويلة على المنصات الرقمية تصورات مشوّهة عن الواقع الاجتماعي، مثل المبالغة في القيم الاستهلاكية، أو المعايير الجمالية غير الواقعية، أو الشعور بضغط اجتماعي دائم لمجاراة الآخرين!
يتبع…
عيسى المزمومي
مقالات سابقة للكاتب