من القواعد القرآنية الكبرى التي تُهذّب نظرة الإنسان إلى الحياة وتقلباتها قولُ الله عز وجل:
﴿وَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَىٰ أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 216]،
وهي آية تؤسس لليقين، وتعلّم الإنسان أن ظاهر الأحداث ليس هو حقيقتها دائمًا.
وقد استوقفتني فكرة جميلة سمعتها متداولة في أحد مقاطع برامج التواصل الاجتماعي عبر تطبيق «واتس آب»، أعجبتني لما تحمله من ربطٍ بديع بين هذه الآية وقصة نبيّ الله يوسف عليه السلام، فرأيت تحويلها إلى مقالٍ مكتوب تعميمًا للفائدة، مع التصريح بأن أصل الفكرة متداوَل ولا أعرف اسم قائلها، ولو عُرف لذُكر أداءً للأمانة العلمية.
وتتجلى هذه القاعدة القرآنية بوضوح في مسيرة يوسف عليه السلام؛ فقد كان حبّ يعقوب له حبًّا ظاهرُه الخير والرحمة، لكنه كان سببًا في حسد إخوته، فانتهى الأمر بإلقائه في غيابة الجب. والبئر في ميزان البشر شرٌّ محض، غير أن هذا الشرّ الظاهر كان بداية طريق التمكين.
ثم خرج يوسف من الجب ليعيش في بيت العزيز، وهو في الظاهر انتقال إلى نعمة وأمان، لكنه كان سببًا لفتنة انتهت بسجنه ظلمًا. والسجن في أعين الناس محنة قاسية، غير أنه في ميزان التدبير الإلهي كان محطة التعريف بيوسف، وبوابة القرب من الملك، ثم طريق العزة والتمكين.
وهكذا تتقلب المشاهد، ويتغير الحكم البشري، بينما تبقى الحقيقة القرآنية ثابتة: قد نكره ما يكون فيه خيرنا، وقد نحب ما يكون فيه شرّنا، لأن علم الله محيط، وعلم الإنسان محدود.
ومن محاسن وسائل التواصل – على ما فيها من مآخذ – أنها تُسهم أحيانًا في تداول مثل هذه المعاني القرآنية العميقة، فتوقظ القلوب، وتعيد توجيه البصيرة، وتذكّر بأن وراء كل قدرٍ حكمة، ووراء كل منعٍ لطفًا، وإن خفي في بدايته.
قصة يوسف عليه السلام ليست مجرد سرد تاريخي، بل رسالة أمل لكل مبتلى، تقول له: لا تحكم على الطريق من أول منعطف، فربّ بئرٍ كان بداية الملك، وربّ سجنٍ كان بوابة العز.
﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.
أ.د. مشعل بن حميد اللهيبي
جامعة أم القرى- كلية الدعوة وأصول الدين- قسم الكتاب والسنة
مقالات سابقة للكاتب