سيرة النبي ﷺ كتاب مفتوح

عندما نكتب عن شخصية محمد صلى الله عليه وسلم، فأننا نكتب عن الحب، وأعلم أن كل التفاصيل في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، واضحة وضوح الشمس، ولما تقرأ كتب الشمائل تنبهر من دقة الوصف حتى انهم وصفوا عدد الشعيرات التي في رأسه مسطوره ومدونه، وقد اعتنى العلماء قديماً وحديثاً بسيرته ومحاولة التركيز على الجوانب التي يقتدى بها بكل ما خطر ببالك، من عباداته وغزواته، ونزول الوحي، والعهد المكي، والعهد المدني، والابتلاء، والأخلاق، والمعاملات، والمعاهدات، وعندما نستلهم شيئًا من قبس هذه السيرة، سنجد نبعاً صافياً، من القصص والأحداث والمواقف والعبر المدهشات، من رواة صحبوه وشاهدوه وآمنوا برسالته، واحبوه، ونقلوا عنه، فهو سهل ممتنع، لين رحيم، شفيق بأمته.

ولك أن تبحر في حياته، فالكل سيأخذ منها ما يناسبه، لأنه قدوة للجميع، وهو [كتاب مفتوح]، لا تجد صعوبة في معرفة شخصيته، عن إيمانه، وصدقه، وإخلاصه، وخشوعه، ومناجاته لربه، لقد كان محمد صلى الله عليه وسلم بدياته من فتيان مكه، وكان يسمى الأمين والصادق، ثم انه في مقتبل شبابه احب التحنث والخلوة، ثم بعد ذلك أصبح نبياً، بنزول الوحي عليه من رب العالمين، وكلفه الله بالرسالة وتبليغ الدين للناس، وكان طفلاً يتيماً ثم اب عطوفاً، ثم فقد ابيه وأمه وزوجته وجده وعمه وابنه وبناته، كان يميل إلى العزلة حيناً، وإلى الخلطة حيناً اخر، رعى الغنم وتاجر، بيلغ فصيح، أنيق جميل، واثق من نفسه، شجاع، كريم، حليم، رحيم، جواد، عارف بأمور بالناس وطبائعهم، ويعطي كل ذي حق حقه، يرحم الصغير، ويوقر الكبير.

محمد صلى الله عليه وسلم كان يستشعر مراقبة الله له، كان إدارياً ناجحاً، وعبقرياِ محنكاً، ذكياً، مدركاً لموازين القوى، لا يستعجل، يستشير من حوله، ضحك وبكاء، وكان يعرف الرجال، يعرف اهل الرأي وأهل الحرب والحنكة، وأهل الفصاحة وأهل الشعر، ويرسل السفراء ويولي القادة الاكفاء، واجه أخطر المواقف المصيرية، لا يعرف الهزيمة، ولا يهزه التهديد، ولا يتنازل عن المبدأ، عاش النصر والظفر، والخيانة والوفاء والغدر والعداء، وحتى الخيبة من اقرب الناس إليه، مات مسوماً، مر عليه عقبات وابتلاءات، اسوة بمن قبله من الأنبياء الذين سبقوه، ولكنه صبر كما صبروا.ة، وشكر كما شكروا.

نهض بأعباء الرسالة، وبلغ الأمانة ونصح للأمة، وانا اعلم ان سيرته أكثر من سيرة ابي وجدي، بل ان كل الناس لا تبلغ سيرة ابائهم واجدادهم عشر معشار سيرة محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم، بل اننا كمسلمين نعلم من خفايا حياة النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من حياة قادة العالم ومفكريها.

ولما ضيق عليه صلى الله عليه وسلم أهل مكة، ذهب للطائف، فناله من اهل الطائف الأذى، ورماه السفهاء بالحجارة، حتى دميت قدماه الشريفتان، ولم يدعوا عليه بل قال لعل الله أن يخرج من اصلابهم من يوحد الله، وعاتبه ربه بعد انصرافه عن الأعمى، حرصاً منه على إسلام صناديد قريش، وهجر زوجاته بعد أن اكثراً عليه بالنفقة، كانت علاقته بزوجاته مدرسة للأجيال، وعلاقته مع أصحابه انموذج فريد، وحزنه حين اتُهمت زوجته بالأفك، وعفوه لمن ارسل رسالة لأهله بمكه يخبرهم بمسير النبي إليهم، وتلك الليلة، ليلة الوفاء التي كان ينسل فيها من فراشه، ليزور ممن رحل قبله من أصحابه في مقبرة البقيع.

كلها محطات من حياته، وهو صلى الله عليه وسلم يضحك ويحزن، ويصوم ويفطر، وكذلك لحظات الشدائد، التي كانت مكشوفة لنا والتي مرت به صلى الله عليه وسلم، ثم ضعفة ومرضه وغضبه ورضاه، وفرحه وصبره، ولحظات موته التي كان يعاني بها من سكرات الموت، وصبره على نزول الوحي الثقيل وهو يعرق بالليلة الآتية عندما ينزل عليه الوحي، كلها لم تكن سراً، حتى ذهابه للخلاء وذوقه في الأكل، ولباسه، ونظافته ووضوءه، وفصاحته وخطبه، ولغة وجسده، وسبره في وجوه أصحابه الفرسان الشجعان الكماة، فقد كانوا إذا حمي الوطيس، يلوذون به عند الخوف والتحام الصفوف في حومة المعارك، وفي حاله في إدارته للمعارك وترتيب الصفوف قبل التحام الجيوش، وكان يدعوا ويبتهل إلى الله بالنصر.

وقد عاصره منافقون كبار فستر عليهم رجاء هدايتهم، ومنهم من اهتدى ولم يفتضح، ومنهم من استغفر له، ومنهم تغاضى عن همزهم ولمزهم، وصبر وضفر.

ومن عرف سيرة محمد صلى الله عليه وسلم، علم فعلاً انها ليست كسيرة الملوك والوزراء والحكماء والقادة، لا، بل سيرته سهله ميسرة يتداولها الكبار والصغار، وهنا تكمن عظمتها، لا غموض ولا تعقيد، فعظمة محمد صلى الله عليه وسلم تكمن في بساطته وفي ان اتباعه متاح فهم على الدوام النظر في حياته صلى الله عليه وسلم، فإنه حرر العبيد، وعلقهم بالمعبود، وطالع سيرة ابن إسحاق وكتب الشمائل، وزاد المعاد، والرحيق المختوم، والسنن والمسانيد، من الرويات الصحيحة.

الرويات في السيرة النبوية لا تقف عندها جامد من دون تأمل واستلهام الدروس والعبر، لانه هنا سوف تكمن أزمة فهم حياة النبي على مستوى الأفراد والأمم.

انظر لسر عظمة جوانب شخصية النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وهو يخاطب عمر ويستشير أبوبكر، ويثني على حمزة، ويشكر حسان، ويشجع علي، ويدعو لعثمان، ويرفق بعائشة، وكيف يهذب هذه الشخصيات ويوجهها التوجيه الصحيح، انها حياة مدهشة صنع من بعده جيل رباني فريد من نوعه، كان يربط على بطنه الحجر، لم يتميز عن أصحابه بشيء دونهم، يجلس على الأرض ويمشي مع الجارية حتى يقضي حاجتها، لم يعنف أنس ولم يعاتبه، توقف جيش كامل من أجل ماريه، حتى علاقته بالسوقه الحدادين والخياطين والمزارعين، والأطفال كان يمازحهم ويسليهم ويكنيهم، كل هذا جعل من هذا النبي الكريم كتاب مفتوح، ونحن محظوظون أننا من أمته.
فإنه صلى الله عليه وسلم أدهش المستشرقين، وأسلم في زمانه القادة، وحير العلماء، ونهل من معينه الحكماء، لم يتمكن العظماء ملامسة حياته ولا القرب منها،لأن حياته كلها عظمة.

ظهر بأكمل صوره، فقد زكاه ربه، وجعله على خُلق عظيم، وروت عنه زوجاته أدق تفاصيل حياته عن تعامله معهن، كل شيء معلن للناس، لماذا؟.

لأنه حامل رسالة، خرجت منها أمة عظيمة، وخلال سنوات قليلة من حياته، سقطت امبراطورتين عظيمتين، وانتشر الإسلام.

وعندما تقرأ حياة الآخرين، وخاصة لمن عاشو مع النبي صلى الله عليه وسلم الذين آمنوا برسالته وماتوا على الإيمان بها، تجد ان حياتهم ليست كحياة محمد صلى الله عليه وسلم، فقد كانت حياة النبي جذابة وتحتوي جميع الناس، وملهمة لكل أحد، بل ان حياته كلها بتفاصيلها مدونة بيته وغرفته ومطهرته ومشطه وعدد زوجاته وعدد اسلحته ودوابه وخدمه، بل كيف ينام وكيف يصحو وحركاته وسكناته، وكيف يلتفت وكيف يجلس، وكيف يمشي، وكيف يصلي، وكيف يعرفون الفرح بوجهه والحزن بوجهه، وكيف صفته وقد وصفه بعض الصحابة، فاجادوا الوصف، هذا هو سيد ولد آدم الذي أشرقت الدنيا بولادته، واظلمت الدنيا برحيله عنها.

التقى النبي صلى الله عليه وسلم، ومر برجل فلم رأي النبي جعل يرتجف أمامه، فقال له النبي هون عليك، فإني لست بملك، إنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد.

تحياتي لكم ودمتم مستمتعين.

منصور بن محمد بن فهد الشريدة

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *