النقد البنّاء

في كل مجتمعٍ يتحرّك متطوّعون للمساهمة في تنميته وتطويره، يعملون بأيدٍ صادقة وهممٍ عالية؛ يبذلون الجهد ليحققوا أثرًا، ويسعون إلى خدمة الناس ونفعهم، ورفع مستوى الوعي بأهمية البذل والعطاء والتضحية والإيثار.

وفي المقابل، تخرج فئة من الناس تسير عكس الاتجاه، تتخذ من النقد الجارح مطيّة، ومن التهكّم على الإنجاز عادة، ومن التقليل من جهود الآخرين منهجًا وسلوكًا.
هذه الفئة لا تعرف من التطوع إلا اسمه، ولا من التضحية إلا صداها، ولا من الإنجاز إلا ما يثير في نفوسهم الغيظ والحسد. ومن المؤسف أن هذا الصنف من البشر، لو نظرت إلى حالهم وفتّشت في أغوارهم، لأعجبتك أجسامهم، وأطربتك أقوالهم، وأبهرتك مظاهرهم؛ لكنهم لا يطرحون حلًا، ولا يقدّمون بديلًا، بل يقفون على حافة الهمّة والعطاء متفرّجين، يوزّعون سهام السخرية، ومكاييل الاتهامات، ويبحثون عن أي ثغرة ليحوّلوها إلى قضية. وكأن رسالتهم في الحياة أن يطفئوا شموع الآخرين بدلًا من أن يشاركوا في إشعالها.

النقد البنّاء مطلب، لكن التخذيل ليس نقدًا.
فالنقد الهادف هو الذي يضيف للمشروع قيمة، ويقوّم الانحراف، ويقترح الأفكار، ويبحث عن الأفضل. أمّا النقد الذي يمارسه هؤلاء فليس إلا صخبًا بلا معنى، وصوتًا بلا أثر، وادّعاء معرفة بلا معرفة. هو نقد نابع من ضيق الصدر لا من سعة الرؤية، ومن الغيرة النفسية لا من الغيرة على المصلحة العامة.

ومن ينتقد مشروعًا إيجابيًا دون أن يقدّم بديلًا، فمثله كمثل من يقف أمام برجٍ شامخ ليشير إلى بقعةٍ صغيرة لم تُصقل جيدًا، بينما هو نفسه عاجز عن وضع قطعة واحدة في هذا البرج، أو في أي مشروع آخر.

أمّا أنتم أيها المضحّون الباذلون، فهنيئًا لكم؛ فالتاريخ خلّد ذكر المنجزين، وأهمل المثبّطين. التاريخ يكتب أسماء الذين عملوا وبذلوا وابتكروا، وواجهوا التحديات بصمتٍ وثبات. أمّا أولئك الذين لا يجيدون إلا التحقير، فهم عابرون في المشهد، لا أثر لهم إلا ضجيجٌ سرعان ما يخبو.

الناجحون يدركون أن الطريق مليء بالمعوّقات، وأن النقد جزء من الرحلة، لكنهم يعرفون أيضًا أن النجاح الحقيقي هو الإصرار على الاستمرار رغم الأصوات التي تحاول التهوين والتخذيل. كما يدركون أن الإنجاز لا يُصنع بالكلام، ولا تُشاد المشاريع بالتهكّم، ولا تُقاس قيمة الإنسان بقدر ما يهدم، بل بقدر ما يبني.

 

د. صلاح محمد الشيخ
مستشار أسري وتربوي

مقالات سابقة للكاتب

2 تعليق على “النقد البنّاء

فهيمه العباسي

بارك الله فيك

متابع

مقال رائع يعالج ظاهرة موجودة في مجتمعنا بصورة مزعجة بكل أسف
شكراً لك دكتورنا الفاضل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *