مع تقدّم العمر، تتغير الحياة بشكل جذري: الأبناء يكبرون وقد يغادرون المنازل، الأصدقاء يقلّون، والقدرة الجسدية تتراجع. وسط هذه التحولات، يبرز الشعور بالوحدة كأحد أكثر الاضطرابات النفسية انتشارًا وتأثيرًا لدى كبار السن، لكنه غالبًا ما يبقى ألمًا صامتًا لا يُلاحظ بسهولة.
ماذا نعني بالوحدة؟
الوحدة ليست مجرد انعزال اجتماعي أو قلة العلاقات، بل هي شعور ذاتي بالافتقار إلى الألفة والاهتمام والمعنى. فقد يكون الشخص محاطًا بالناس لكنه يشعر بالفراغ الداخلي.
لأن غالباً عند كبار السن، تتداخل الوحدة مع عوامل أخرى مثل فقدان الدور الاجتماعي، تغيّر العائلة، والضعف الصحي.
وقد يُطرح سؤال :
كيف تحدث الوحدة لدى كبار السن؟
يمكن تقسيم الأسباب إلى ثلاثة محاور رئيسية:
1. تغيّر البنية الاجتماعية:
• تقاعد العمل وما يصاحبه من فقدان روتين وعلاقات يومية.
• وفاة شريك الحياة أو الأصدقاء المقربين.
• انتقال الأبناء لتكوين أسرهم الخاصة.
2. العوامل الصحية:
• أمراض مزمنة تحد من الحركة أو التواصل.
• ضعف السمع أو البصر، ما يجعل التواصل أكثر صعوبة.
• اضطرابات نوم أو آلام مستمرة تزيد الشعور بالعزلة.
3. العوامل النفسية:
• الاكتئاب والقلق المصاحبان للشيخوخة.
• انخفاض الشعور بالقيمة الذاتية بعد فقدان الأدوار.
• الميل إلى المقارنة الدائمة بالماضي.
والسؤال السابق يقودنا الى تساؤل اخر
ما الآثار النفسية المتوقعه للوحدة؟
الوحدة ليست مجرد شعور مؤقت، بل تمتد آثارها إلى عدة جوانب:
اولها الاكتئاب.
فتشير الدراسات إلى أن الوحدة تمثل عاملًا قويًا للاكتئاب عند كبار السن، وقد تساهم في زيادة الأفكار السلبية وانعدام الرغبة في النشاطات.
وثانيها القلق والتوتر.
فالشخص الوحيد يعيش حالة تأهب مستمرة، يفسّر الصمت على أنه تهديد، وعدم الاهتمام على أنه رفض.
وثالثها تدهور الوظائف الإدراكية.
لأن الوحدة قد تؤثر على الذاكرة والانتباه، وتزيد احتمالية الإصابة بالخرف بسبب قلة التحفيز الذهني.
واخيراً اضطرابات النوم.
فيتحول الليل إلى وقت ثقيل ليعكس الفراغ العاطفي ويزيد من الشعور بالعزلة.
وبما ان حديثنا في هذا المقال من منظور نفسي فكيف ينظر علم النفس للوحدة في هذه المرحلة؟
يرى علماء النفس أن الوحدة عند كبار السن ليست مجرد نتيجة للظروف، بل هي تفاعل بين:
• التفسير الذاتي للأحداث
• الدعم الاجتماعي المتاح
• المرونة النفسية
فمثلًا، شخصان يفقدان شريك الحياة، لكن أحدهما يفسر الحدث على أنه نهاية الحياة الاجتماعية، بينما يراه الآخر تغيرًا طبيعيًا يستلزم التكيف.
وعلى سبيل المثال عند اللقاء بكبار السن، يتكرر وصف الوحدة بعبارات مثل:
• “ماحد مهتم بحالي”
• “ماحد قاعد يفهمني”
• “البيت كبير جدًا عليّ”
هذه الجمل تحمل خلفها حاجة عميقة للمعنى وليس فقط للصحبة.
*كيف نستطع التدخل لوقاية والدينا من الوحده ؟*
من منظور علاجي واجتماعي، هناك عدة إجراءات يمكن أن تخفف الشعور بالوحدة:
1. إعادة الدمج الاجتماعي
عبر برامج النوادي، اللقاءات، والأنشطة الجماعية.
2. العلاج الذهني السلوكي
لمساعدة كبار السن على تعديل الأفكار السلبية واستعادة الشعور بالقيمة.
3. دعم العائلة
مجرد وجود مكالمة مستمرة أو زيارة متكررة له أثر نفسي كبير.
4. تشجيع الهوايات
مثل الزراعة، القراءة، الحرف اليدوية والرياضة الخفيفة.
5. التكنولوجيا
استخدام التكنولوجيا وامكانياتها إذا تم تدريب كبار السن عليها بشكل مبسّط.لتكون كجسر تواصلي.
في الختام صوت إنساني لا بد أن يُسمع
الوحدة عند كبار السن ليست قضية فردية، بل مجتمعية. تجاهلها يعني ترك جيل كامل يواجه معركة داخلية صامتة.
من واجب الأسرة في المقام الاول، والمؤسسات الاجتماعيه، والمجتمع أن يروا في كبار السن ليس فقط أشخاصًا أنهكتهم السنوات، بل أرواحًا تحتاج إلى دفء، واحترام، وتواصل حقيقي.
في النهاية،الشعور بالوحدة ليس قدرًا محتومًا للشيخوخة، بل تحديًا يمكن تجاوزه… بشرط ألا نتركهم وحدهم.
تركي سالم الشريف
eeee11231@gmail.com
مقالات سابقة للكاتب