جروح صامتة؟!!

الأسرة هي البداية الحقيقية لكل شيء جميل، هي الحضن الأول الذي يتكوّن فيه الإنسان وتبنى به نهضة الأمم وتقدمها، فإن امتلأت حبًا ورحمة وعطف نشأ الفرد سليمًا ناهضاً، وإن امتلأت قسوةً وغربة وألماً، خرج إلى الحياة فرداً مكسوراً مهزوماً وإن بدا في ظاهره قويًا. وما نراه اليوم من عقوقٍ وجفاءٍ وقسوةٍ لم يولد فجأة ولم يكن نتيجة لحظة عابرة، بل هو نتيجة تراكمات طويلة على مر السنين بدأت من البيت، من الغياب، من الإهمال، من جفاف المشاعر قبل جفاف القيم.

حين يسافر الأب للعمل ويترك أسرته أعوامًا طويلة، لا يلتقي بأبنائه إلا شهرًا واحدًا في السنة، يظن أنه قد أدّى واجبه كاملاً لأنه يرسل المال بشكل مستمر، لكنه لا يشعر أنه مع الوقت يتحول في نظر أبنائه إلى بنك يضخ الأموال ، لا إلى أب يضطلع بدور حيوي مهم.فيغيب حضوره، ويغيب صوته، ويغيب دفؤه،ويغيب أثره ، ويهمل نفسه، ويهمل زوجته، ويهمل أعظم الحقوق، حق الأبناء في القرب والاحتواء والسؤال والمشاركة.

 ثم يعود بعد سنوات عجاف يطلب الحب والولاء والانتماء، كأن المشاعر تُسحب من رصيد مؤجل، بينما الحب علاقة تُبنى وتنسج يومًا بعد يوم، لا مالًا يُحوَّل متى شئنا. ومع الزمن يقل الحب تدريجيًا حتى يبهت، ثم يختفي، وتقسو القلوب حين تطول المسافة، لا مسافة السفر، بل مسافة الروح.

ولا يقل خطرًا عن هذا الغياب، الأب الحاضر الغائب، ذلك الذي يعيش في البيت لكنه غائب عن المسؤولية، أناني، لا يرى في الأبوة أمانة، يلهو ويمرح هنا وهناك كطفل بلا التزامات، يخرج متى شاء ويعود متى شاء، ويترك أبناءه بلا رعاية ولا توجيه، ولا يرى زوجته إلا في علاقة عابرة ترضي حاجته العاطفية،ومع الوقت تكون النتيجة واحدة، فلا فرق كبير بين أبٍ غائب جسدًا وأبٍ غائب روحًا، فالقلب لا يميّز نوع الغياب، والخذلان واحد.

وحين يغيب الأب أو يتلاشى حضوره، تتحمّل الأم عبئًا فوق طاقتها، فتنهكها المسؤولية والوحدة والقلق، وتنشغل بآلامها النفسية الناتجة عن غياب الشريك والدعم، ومع الأيام تنهار من الداخل ببطء، وتفقد قدرتها على العطاء، لا لأنها لا تحب أبناءها، بل لأنها استُنزفت. فالمنهك نفسيًا لا يستطيع أن يمنح حبًا كافيًا، ومن يحتاج الاحتواء لا يكون دائمًا قادرًا على احتواء غيره.

ولا تقل خطرًا تلك الزوجة الأنانية التي لا ترى في الأمومة إلا عبئًا، ولا ترى في الأسرة إلا وسيلة للرفاهية، تهتم بنفسها فقط، بلذّة حياتها ومظهرها ومالها، وتترك أبناءها للشغالات أو تلقي بهم على عاتق الجدات، بينما تعيش هي كطفلة مدللة ترفض أن تكبر أو تتحمّل المسؤولية . 

ففي المحصلة النهائية يكبر الأبناء مع الأيام بلا حضن أم، ولا صوت توجيه، ولا شعور أمان، فيضيعون في دروب الحياة بهدوء، وتتشقق نفوسهم قبل أن تتشقق بيوتهم.

ومع مرور الوقت يضيع الأبناء فعلًا، وتتفكك الأسرة من الداخل، ثم يبدأ تبادل الاتهامات؛ الأب يلقي اللوم على الأم، والأم تلقي اللوم على الأب، وكلٌّ يبرّئ نفسه، بينما الحقيقة المؤلمة أن الأطفال هم من دفعوا الثمن، ثمن أنانية الكبار، وهروبهم من المسؤولية، وغفلتهم عن أن الحب حضور لا خطاب، وعطاء لا شعارات.

كثير من الأبناء لم يولدوا عاقّين، بل نشأوا بلا دفء، بلا احتواء، بلا أمان، فكبروا وهم يحملون جروحًا صامتة تحولت مع الزمن إلى قسوة أو غضب أو تمرّد. إننا نجني ما زرعنا، ونحصد ما أهملناه، فالقلب الذي لم يُسقَ حبًا يجف، والنفس التي لم تُحتوَ تبحث عن نفسها في أماكن خاطئة.

املؤوا بيوتكم حبًا قبل أن تملؤوها مالًا، واملؤوا قلوب أبنائكم حضورًا قبل أن تتركوهم للشاشات أو للخادمات. فالحب إذا سكن بيتًا نزلت السكينة، وبارك الله في القليل فصار كثيرًا، أما البيوت التي تُملأ صراخًا وكراهية وأنانية وصراعات، فلا تنتظر أي نعمة، بل تتولد فيها القسوة والحقد، وتخرج منها شخصيات مشوهه صعبة تعاني وتُعاني غيرها.

البيت ليس جدرانًا خرساء، والمال ليس بديلًا عن الحضور، والأبوة والأمومة ليستا أدوارًا ثانوية نؤديها متى شئنا. الأسرة أمانة، ومن هرب من مسؤوليته اليوم، سيواجه نتائجها غدًا، فالأبناء لا ينسون، والقلوب لا تكذب، والوجع المؤجل… يعود أقسى مما كان.

نوار بن دهري 

NawarDehri@gmail.com

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *