خليص في التاريخ المنسي ( ٣٣ )

قراءة في الذاكرة

لم تعرف خليص، خلال الفترة من 1383هـ إلى 1406هـ، ما يُعرف اليوم بالأسواق المركزية، سواء السوبرماركت أو الهايبرماركت، وبقي الناس يعتمدون على البقالات الصغيرة.

وهذا أمر بديهي فرضته الظروف السائدة، ولم يكن مقتصراً على القرى فقط، بل امتد إلى المدن أيضًا. وما زلنا نتذكر أسماء الباعة الحضارم في سوق الندى وباب مكة على سبيل المثال.

وإذا كانت الضرورة هي الحاكمة في التسويق، فإن نقص المعروض كان استجابة طبيعية لحالة الفرد.

فالعملاء لم يطلبوا الكماليات، وكانت معظم حاجاتهم توفرها لهم محاصيل مزارعهم. لم تكن الحياة بهذا التنوع من المتطلبات والوفرة، ولم يكن الفرد بحاجة إلى محفظة، وهوية، وحساب بنكي، أو تحرير عقود، أو جدولة أقساط، لأنه كان يعيش اليوم، والغد يتكفل به ربه. ما يحتاجه الإنسان كان مسجدًا، ومصلاة، ومسبحة، وامرأة صالحة.

تحتاج الأسواق المركزية إلى مساحات أوسع وتنوعًا في المنتجات، مثل الأقسام الطازجة، والمخابز، واللحوم، وتدار هذه المرحلة تقنيًا عبر أنظمة الكاشير ونقاط البيع لإدارة المخزونات والعمليات. وقد كانت هناك محاولات متأخرة في حي المغاربة، قبل أسواق العطا، لتجريب هذا النموذج الحديث في التسويق. وقد توزعت هذه المحاولات بين غرب الحارة وشرقها، فتعثرت إحدى المحاولات، ونجحت الثانية بالشراكة، لكنها استمرت بقناعة أصحابها بأهمية دورها في خدمة المجتمع، لا لمجرد الربحية.

ولم يكن سوق المغاربة هو المحتكر الرئيس للمتسوقين، وإن بدا كذلك لقدمه وموقعه وسمعته وانتشاره على جانبي الطريق، وما يتيحه من خيارات، فقد كانت هناك عدة بقالات منتشرة في الحارة على خطوط الطول والعرض، من بينها:

بقالة مطلق بن يحيى
عبد الشفيع بن يحيى
عبد المحسن بن إسماعيل
أحمد بن هزاع
عبد الحميد بن حبيب
أحمد بن خلف
يوسف بن راجي
غازي بن حسين
رجاء الله بن يوسف
أحمد بن خلف
أبو مرحبا عبد الحافظ

وكان تفكير أصحاب هذه البقالات ذكياً، حيث كان القرب والمجاورة يتيح للعائلات، وخاصة النساء، التبضع دون انتظار رب البيت الذي قد يعود متأخرًا، كما كان يضمن الاستدانة والتسديد على أساس الثقة والعلاقات العائلية والجوار.

لا يمكن أن تقول لخليص: “ما أشبه الليلة بالبارحة!” فقد تقاسم الراحلون – الأحياء والأموات – روح خليص، وتركوا الجدران تتشقق لا من ثقل الزمن، بل فراغ الأصوات. فالجدران بعد الرحيل لا تكون حجارة فقط، بل ذاكرة واقفة تحرس الغياب وتقاوم النسيان.

وأنا محظوظ لأنني عشت هناك. كل ما بقي مني الآن

هو ذاكرة!
شكراً بمساحة البحر للحب الذي أحاطني به الرفاق، وشكراً للغائبين الذين كانت أرواحهم تملأ المكان.

 

محمد علي الشيخ

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *