حين لا يكفي أن تعرف

المعرفة لا تغيّر مصيرك ما لم تتحوّل إلى سلوك، ولا تبنيك ما لم تُختبر بالفعل.

ليست المشكلة الكبرى في حياة الإنسان أنه لا يعلم، بل أنه يعلم ثم يؤجّل. تتراكم في رأسه الأفكار، وتزدحم في ذاكرته الدروس، وتظل حياته واقفة عند النقطة نفسها، كأن المعرفة صارت ترفًا ذهنيًا بلا قوة تغيير.

العلم في حقيقته وعي، والوعي لا يغيّر الحياة تلقائيًا. يفتح العين، لكنه لا يحمل القدم على المشي. يعطي الاتجاه، لكنه لا يقطع المسافة عن صاحبه. ولهذا يخدع كثيرون أنفسهم بأنهم يتقدّمون لمجرّد أنهم يفهمون أكثر، بينما حياتهم لم تتحرك خطوة واحدة.

كثيرون يعرفون ما الذي ينبغي فعله: قيمة الوقت، خطر التسويف، أهمية الانضباط، أثر العادة، ومعنى المسؤولية. لكن المعرفة عندهم تشبه مصباحًا مضاءً في غرفة لم يدخلوها بعد. يرون كل شيء بوضوح، دون أن يلمسوا شيئًا.

الفعل هو اللحظة التي يتحوّل فيها العلم من فكرة إلى واقع، من قناعة صامتة إلى سلوك متكرر، ومن معلومة جميلة إلى أثر يُرى. وهو، خلاف ما يظنه البعض، لا يأتي دائمًا على هيئة قرار صاخب أو قفزة بطولية، بل يبدأ غالبًا هادئًا، بلا شهود.

أن تلتزم بما وعدت به نفسك حين لا يراك أحد، أن تبدأ رغم غياب الحماس، أن تُنهي ما بدأت، لا لأنك متأكد من النتيجة، بل لأنك مسؤول عن المحاولة، هنا فقط يبدأ البناء الحقيقي.

الإنسان لا يُبنى بما يعرفه، بل بما يكرّره. والمعرفة التي لا تتحول إلى فعل تتحول مع الوقت إلى عبء نفسي، لأنها تذكّر صاحبها بما كان يمكن أن يكونه ولم يكن.

وحين يصبح الفعل عادة، تتحول العادة إلى شخصية. وحين تتغير الشخصية، يتغير أثر الفرد في محيطه. وهكذا فقط تتغير المجتمعات، لا بالخطب الطويلة، ولا بكثرة الوعي النظري، بل بأفراد قرروا أن يكونوا صادقين مع ما يعلمون.
العلم يرشدك إلى الطريق، لكن الفعل وحده هو الذي يأخذك إليه.

 

 

حسن القحطاني

مقالات سابقة للكاتب

تعليق واحد على “حين لا يكفي أن تعرف

نوار بن دهري

مقال جداً رائع وكنت أتمنى أن تتعمق في الحلول التي تفضي لنقل المعرفة والعلم إلى واقع عملي ملموس. شكراً لك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *