فَــلْــيَــقُــلْ خَـيْــراً، أَو لِيَصْمُت

نولد ولا نملك شيئًا، ثم نتعلّم الكلام قبل أن نتعلّم الحكمة، فننطق أكثر مما ينبغي، ونسكت أقل مما يجب. ومع مرور الأيام نكتشف متأخرين أن اللسان ليس وسيلة تعبير فحسب، بل طريق نجاة أو باب هلاك، وأن كلمة واحدة قد تغيّر مصير صاحبها أكثر مما تفعل سنوات من الصمت.

فليس اللسان عضواً صغيراً كما نتصور، بل هو مرآة الداخل، ولسان الحال أصدق من صمت الملامح. وقد علّمنا سيد بني آدم ﷺ أن الإيمان لا يُختبر بكثرة الكلام، بل بنقائه، فقال: (مَن كانَ يُؤْمِنُ باللَّهِ والْيَومِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا، أوْ لِيصْمُتْ) [متفق عليه]

وكأن الصمت، حين لا يكون في القول خير، يتحوّل إلى عبادة، وحين يكون الكلام شرَّا يصبح عبئاً ثقيلاً. وما يلفظ الإنسان من قولٍ إلا وهو محفوظ، لا يضيع في الهواء، ولا يُنسى في الزحام: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ ]ق:18[.

فالكلمة إما نور يُضاف إلى صحيفة، أو ظلمة تُراكم فوق القلب دون أن نشعر.

وما أكثر ما يستهين الناس بالكلمات؛ يرمونها كما تُرمى الحجارة الصغيرة، لا يدرون أن بعضها قد يكون أشد وقعًا من صخرة.

فالغيبة ليست حديثاً عابراً ولا تسلية مجالس، بل جريمة أخلاقية صوّرها القرآن بأقسى تصوير:

﴿يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ ]الحجرات:12 [

ولولا قسوة هذا التشبيه لما انتبهت القلوب الغافلة إلى بشاعة الفعل؛ فاللسان حين ينهش أعراض الناس لا يترك أثراً ظاهراً، لكنه يفرغ الرصيد الخفي من الحسنات، حتى يأتي المرء يوم القيامة مفلساً لا يدري من أين أُخِذَت حسناته ولا لمن ذهبت.

وقد كان السلف يدركون خطر اللسان أكثر مما ندركه اليوم؛ فكان أحدهم يقول: ما ندمت على سكوتي قط.

وكان أبو بكر الصديق رضي الله عنه يمسك بلسانه ويقول: هذا الذي أوردني الموارد. لا ضعفًا ولا خوفًا، بل وعياً بأن أعظم الانزلاقات تبدأ من كلمة لا يُلقى لها بال. ولذلك قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: ما على الأرض شيء أحق بطول سجن من اللسان. لأن سجنه سلامة، وإطلاقه بغير حكمة هلاك.

 ولم يكن منهج النبي ﷺ في الكلام قسوة ولا تنفيراً، بل رحمة وحكمة. ويُستدل على هذا ذلك بقوله ﷺ:

(بَشِّروا وَلا تُنفِّروا، ويَسِّروا وَلا تُعسِّروا) [متفق عليه]، فليست الحقيقة في حدتها، بل في طريقة عرضها، ولا في رفع الصوت، بل في صدق النية. فكلمة قاسية قد تُنفر من الحق، وكلمة لينة قد تفتح قلبًا مغلقًا منذ سنين.

 ولذلك كان الرفق في القول عبادة، كما أن الصمت عن الأذى عبادة أخرى لا يشعر بها إلا من جاهد نفسه.

وما بين فكي الإنسان جنة أو نار، وقد لخّص النبي ﷺ هذا الطريق الطويل في وعد قصير: (وَهل يَكبُّ النَّاسَ في النَّارِ علَى وجوهِهِم، أو علَى مناخرِهم، إلَّا حصائدُ ألسنتِهم) [أخرجه الترمذي وصححه الألباني].

ثم قال ﷺ في موضع آخر: (مَنْ حَفِظَ لي مَا بين لحييْهِ وما بين رِجليْهِ أضمنُ له الجنةَ) [رواه البخاري]. وكأن الجنة أقرب مما نتصور، لكنها تمر أولاً عبر بوابة اللسان، فإن صُنته صانك، وإن خنته خانك، وإن أطلقته بغير وعي قادك حيث لا تريد.

لسنا مطالبين أن نكون متكلمين بارعين، ولا خطباء مفوّهين، ولا أصحاب رأي في كل شأن، بل أن نكون أمناء على كلماتنا؛ نعرف متى نقول، ومتى نصمت، ومتى يكون الصمت أبلغ من الكلام. فالكلمة الصادقة صدقة، والكلمة الجارحة دين، والصمت -حين لا يكون في القول خير- نجاة.

 وفي النهاية لا يُجزى الناس إلا بحصائد ألسنتهم، فمن زرع خيراً حصد سلاماً، ومن أطلق لسانه بلا وعي، فلن يلومنّ إلا نفسه.

لسانك لا يشيخ، ولا ينسى، ولا يرحم… فإمّا أن تجعله باباً للسلام، أو تتركه شاهداً عليك حين لا ينفع الندم.

د. طلال بن عبدالله بن حسن بخش

دكتوراة مصرفية إسلامية وتمويل باحث ومفكر إسلامي

كوالالمبور 29-رجب – 1447هـ

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *