قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «…وَتُمِيطُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ» (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ).
إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ؛ هُنَا.. قِفْ كَثِيرًا، وَضَعْ خُطُوطًا، وَاكْتُبْ جُمَلًا، وَأَطْلِقْ لِفِكْرِكَ الْعِنَانَ!
فَإِذَا كَانَ الطَّرِيقُ الَّذِي يَسْلُكُهُ النَّاسُ وَالدَّوَابُّ مَنْفَعَةً عَامَّةً لِلْجَمِيعِ، وَإِمَاطَةُ الْأَذَى عَنْهَا صَدَقَةً؛
بَلْ لَكَ أَنْ تَتَخَيَّلَ مِقْدَارَ الثَّوَابِ وَعِظَمَ الْجَزَاءِ! كَمَا قَالَ ﷺ: «لَقَدْ رَأَيْتُ رَجُلًا يَتَقَلَّبُ فِي الْجَنَّةِ، فِي شَجَرَةٍ قَطَعَهَا مِنْ ظَهْرِ الطَّرِيقِ، كَانَتْ تُؤْذِي النَّاسَ» (رَوَاهُ مُسْلِمٌ)..
فَهَلِ الْمُعَلِّمُ الَّذِي يُزِيلُ الْجَهْلَ، وَيُنِيرُ الطَّرِيقَ، وَيَفْتَحُ سُبُلَ الْمَعْرِفَةِ، وَيَنْشُرُ الْعِلْمَ وَالْقُرْآنَ وَالسُّنَّةَ؛ يَلْحَقُ بِهَذَا الرَّجُلِ؟!
وَالْمُهَنْدِسُ الَّذِي يَرْصِفُ الطَّرِيقَ، وَيُصْلِحُ الْمَمَرَّاتِ، وَيَنْصِبُ اللَّوَاحَاتِ الْإِرْشَادِيَّةَ وَأَعْمِدَةَ الْإِنَارَةِ؛ يَلْحَقُ بِهَذَا الرَّجُلِ؟
وَوَلِيُّ الْأَمْرِ الَّذِي يُنَافِحُ عَنْ وَطَنِهِ، وَيُدَافِعُ عَنْ دِينِهِ وَرَعِيَّتِهِ، وَيَسْلُكُ بِهِمْ سُبُلَ السَّلَامِ، وَيُوَفِّرُ لَهُمْ سُبُلَ الْحَيَاةِ الْكَرِيمَةِ؛ يَلْحَقُ بِهَذَا الرَّجُلِ؟
وَقُلْ مِثْلَ ذَلِكَ فِي الطَّبِيبِ، وَالْعَامِلِ، وَكُلِّ مَنْ يَعْمَلُ فِي خِدْمَةِ الْمُسْلِمِينَ وَيَقُومُ عَلَى شُؤُونِهِمْ.
إِنَّ إِمَاطَةَ الْأَذَى عَنِ الْعُيُونِ وَالْعُقُولِ وَالْأَبْدَانِ عَمَلٌ عَظِيمٌ، وَسُلُوكٌ مُوغِلٌ فِي التَّضْحِيَةِ وَالصَّبْرِ فِي مَنْفَعَةِ النَّاسِ. يَتَقَلَّبُ فِي الْجَنَّةِ بِعَمَلٍ يَسِيرٍ وَسَرِيعٍ، رُبَّمَا لَمْ يَأْخُذْ مِنْهُ دَقَائِقَ مَعْدُودَاتٍ؛ فَمَا بَالُكُمْ بِمَنْ يَقِفُ فِي خِدْمَةِ دِينِهِ وَوَطَنِهِ وَأُمَّتِهِ السَّاعَاتِ، بَلِ الْعُمْرَ كُلَّهُ؟ يُزِيلُ الْأَذَى — كُلَّ الْأَذَى — عَنِ الْبَصَائِرِ وَعَنِ النُّفُوسِ.
وَبِالْمُقَابِلِ وَالنَّقِيضِ؛ كَيْفَ يَكُونُ عِقَابُ مَنْ يَضَعُ الشَّوْكَ وَالْأَذَى فِي الطُّرُقَاتِ، وَيَدُسُّ الشَّهَوَاتِ وَالشُّبُهَاتِ، وَيَبُثُّ سُمَّهُ وَأَذَاهُ وَقُبْحَ طَبْعِهِ فِي دِينِهِ وَوَطَنِهِ وَمُجْتَمَعِهِ؟!: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا} [الأحزاب: 58].
الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً؛ أَعْلَاهَا قَوْلُ «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ»، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ.
وَهَلْ مِنَ الْإِيمَانِ مُبَارَزَةُ الْمُسْلِمِينَ بِالْأَذَى الْحِسِّيِّ أَوِ الْمَعْنَوِيِّ؟!
إِنَّ الْإِسْلَامَ دِينُ الرَّحْمَةِ وَالْإِحْسَانِ، دِينُ التَّكَافُلِ وَالْإِنْعَامِ، دِينُ الْمَحَبَّةِ وَالسَّلَامِ، دِينُ التَّضْحِيَةِ وَالْإِيثَارِ؛
فَالْمُجَاهِدُ يُزِيلُ أَذَى الْكُفْرِ وَالشِّرْكِ عَنِ النَّاسِ وَعَنِ الْأَرْضِ.
وَالْعَالِمُ يُزِيلُ أَذَى الْجَهْلِ.
وَالطَّبِيبُ يُزِيلُ أَذَى الْمَرَضِ.
أَمِطِ الْأَذَى عَنْ نَفْسِكَ وَعَنْ غَيْرِكَ تَكُنْ مِمَّنْ يَتَقَلَّبُ فِي الْجَنَّةِ؛ فَمِقْدَارُ السَّعَادَةِ وَالْفَرَحِ وَالنَّشْوَةِ فِي الدُّنْيَا جَنَّةٌ عَاجِلَةٌ،
وَجَنَّةُ الْفِرْدَوْسِ الْأَعْلَى عِنْدَ الْعَلِيِّ الْأَعْلَى؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ: «أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ» (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ).
وَإِنَّ مِيزَانَ ذَلِكَ كُلِّهِ صِدْقُ النِّيَّةِ، وَسَلَامَةُ الْقَصْدِ، وَيَقِينُ الْقَلْبِ.
مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن سَالِم الشَّلَّاع
مقالات سابقة للكاتب