قراءة تحليلية ومقاربة نقدية
في كتاب (حياتي بين الطب والحرب)*
فاتحة شعرية:
رمز العطاء وبهجة الإخوان
هذا الذي من نيله أرواني
****
هذا الذي سلك الدروب مكافحاً
حتى بلوغ مراتب الأعيان
****
أكرم به أصلاً وفصل أرومة
من قوم صدق هم بنو زهــران
****
حفر الصخور بهمةٍ وعزيمةٍ
ليضخ منها الماء عذباً هاني
****
هذا (عطية) ربعه جيل الندى
(أبو فيصل) … روح من الريحان
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) ومؤلفه اللواء الطبيب / عطية محمد الزهراني، ط 1، الرياض: دار المفردات، 1446هـ/ 2005م.
بهذه الأبيات الشعرية التي افتتحت بها أمسية ثقافية/ شعرية في دارة اللواء الطبيب عطية محمد الزهراني في ديوانيته بالطائف المأنوس، مساء يوم الثلاثاء 1447/6/18هـ، وفيها أُهْدِيتُ هذا الكتاب الذي تتداخل معه في هذه القراءة التحليلية، والمقاربة النقدية!!
***
(1) … لعل جيرة الطفولة، حيث حي الشهداء الجنوبية/ في الطائف المأنوس، هي الدافع للتعرف على صاحب هذه السيرة، والكتابة عنها …!!
حدثني ذات مساء جُدِّيْ، أخي الشاعر الدكتور يعن الله الغامدي عن صالون ثقافي أنشئ حديثاً في الطائف، ويرعاه شخصية عسكرية وطنية، وسينسق لي أمسية شعرية في هذا الصالون الثقافي، وما هي إلا أسابيع حتتى تحدد الموعد مساء الثلاثاء 1447/6/18هـ وكانت الأمسية بحضورها النوعي والنخبوي.
ومع فعاليات هذه الأمسية أهداني صاحب الصالون الثقافي كتابه السيري الموسوم بـ (حياتي بين الطب والحرب) الصادر عن دار المفردات بالرياض عام 1446هـ / 2025م.. حينها ارتبط هذا العنوان في ذهني وذاكرتي الثقافية بكتب سيرية قديمة وهي (حياتي مع الجوع والحب والحرب) للأديب عزيز ضياء (يرحمه الله) وكتاب غازي القصيبي (حياة في الإدارة)، وكتاب الدكتور محمد أحمد الرشيد (مسيرتي مع الحياة).. وكل هذه الذاكرة الثقافية تدل على ما يتحدث عنه النقاد في باب (التَّناص) أو (التناصيَّة) وهو ما يمكن تعريفه مختصراً بأنها آلية ذهنية تذكر اللاحق بالسابق أو توصيف عقلي بما يربط بين العنوانات من أواصر التماهي والتداخل والتقارب الأجناسي !! وما يشير إليه الشاعر الجاهلي في قوله:
وما أرانا نقول إلا معاراً
أو معاداً من قولنا مكرورا
وهذا ليس عيباً (تأليفياً)، فالثقافة والفكر معطيات إنسانية يمتد نسبها وأصولها بين الكتاب والمثقفين، فهي كالشجرة المثمرة ذات الأغصان والأوراق التي تستقي من الجذر الشجري نفسه والمتخلق منها أغصاناً وأوراقاً وثماراً جديدة!!
***
(2) ومادمنا مع النقاد ومقولاتهم حول التناص !! فهذه مقولة أخرى يتعاطونها وهي العتبات النصية أو العتبات الموازية، وفي هذا الكتاب السيري نلحظ العتبة الموازية الأولى – صفحة الغلاف – حيث تتقاسمها الصورة واللون والخط، في ثنائيات متوالية.. فأما الصورة واللون، فهي ذات دلالات ثنائية تشير إلى الطِّبِّ والحرب، فالطب يتمثل في صورة المشفى ولونه الأزرق، ومعطف الطبيب حيث الجزء الأبيض من صورة المؤلف / صاحب السيرة !!
والحرب تتمثل في صورة ميدان الحرب/ جبل ورمل وجيش واللبس العسكري للمؤلف / صاحب السيرة، في الجزء الأيسر من الصورة، ويوحد بينهما (الخط/ الكتابة) التي تحمل ثنائيات متواترة: الطب والحرب اللواء والطبيب عطية الزهراني، السيرة الذاتية وتجتمع كل تلك المترادفات والثنائيات في كلمة (حياتي) المتشكلة من مفردتين الحياة وضمير المتكلم (الياء).

وإذا وصلنا إلى الغلاف الخلفي، وهو المكمل للعتبة النصية/ الموازية/ العنوانية/ وجدنا الثنائية اللونية الخلفية بلون أزرق وكتابة بلون أسود، يتجلى في الأزرق صورة اللواء بزيه العسكري ووجهه المعبر عن الحزم والجدية والصلابة العسكرية، وتتجلى الكتابة باللون الأسود تعريفاً من الناشر بمعطيات الكتاب السيري ومحطاته، وكلها تعبر عن ثنائية اللون العسكري والطبيب الجراح وما يجمع بينهما من نصِّ/ خطاب سيري ذاتي!!
كل هذه العتبة العنوانية/ العتبة الموازية/ العتبة النصية، ذات دلالات عميقة تتشظى في المتن المكتوب عبر محطاته العشر (وهذه ثنائية عنوانية لها دلالاتها وإيحاءاتها).
***
(3) يأخذنا الكتاب السيري في محطاته العشر ، وصفحاته التي بلغت (336 صفحة) في رحلة ذاتية عميقة المستوى والدلالات، ولكني سأقف (نقدياً) مع ثلاثة محاور موضوعاتية أو ثلاثة مستويات كتابية.
فأما المستوى/ المحور الأول فهو حول التاريخ المتغلغل خلف السطور والموضوعات والمحطات، وهو تاريخ ما أهمله التاريخ المنشور والمعروف للأحداث التي عاصرها وعاشها مؤلف السيرة/ الكتاب.
وفي هذا المحور وجدنا صاحب السيرة يتحدث عن جملة من الأحداث التاريخية التي عاصرها وشارك فيها وقدم رؤيته التاريخية عنها، والتي تنضاف إلى ما كُتِبَ عنها ونُشِرَ من مقالات ودراسات وأبحاث أكاديمية، ولكنها بلسان المؤلف تشكل وثيقة جديدة وشاهداً عصرياً ورؤية محايدة/ محايثة/ وجديدة.
وتلك الأحداث هي:
- احتلال الحرم.
- حرب العراق وإيران.
- احتلال الكويت.
- حرب البوسنة والهرسك.
- حروب البلقان.
- بغداد وسقوطها.
- عاصفة الحزم.

في هذه الموضوعات التاريخية ألفت الكتب ونشرت الدراسات والوثائق.. ولكن صاحبنا مؤلف السيرة، يضيف رؤبيته ومعايشته وقراءاته التحليلية فمثلاً قضية احتلال الحرم (ص ص 60-63) يرصد لنا خلفية هذه الحركة، وكيف كان التجنيد المبكر والدعوة السرية لهذه القضية في المساجد والمدارس وتسجيل القوائم بالأسماء الراغبة في الانضمام لهذه الحركة الإصلاحية في ظاهرها، والثورية في باطنها وغاياتها، حتى تحققت وظهرت النتائج مع مطلع العام (1400هـ / 1979م) حيث احتلال الحرم – والحرب السعودية الجهيمانية في رحاب مكة المكرمة والحرم الشريف، والتي استمرت حوالي (أسبوعين) من أوائل شهر محرم عام 1400هـ وانتهت في يوم الثلاثاء 14/ محرم/ 1400هـ، حيث اعتقل الثوار وأعوانهم وقياداتهم، وفتح الحرم الشريف للصلاة والطواف، وإعلان الحكومة السعودية محاكمة التنظيم الإرهابي والقصاص على (61 فرداً) من جماعة جهيمان!!
ومثلاً في حادثة احتلال الكويت (ص ص 106-111)، نجد الكثير من المعلومات التوثيقية التي لم تذكرها المراجع والمصادر التاريخية التي ناقشت هذه المسألة التاريخية.. يقول اللواء /الطبيب المؤلف: إن أهالي الطائف استضافوا المواطنين الكويتيين الفارين من الغزو العراقي أحسن استقبال ففتحوا منازلهم لاستضافتهم، وقامت الحكومة السعودية بفتح جميع الفنادق والشقق المفروشة لجميع الكويتيين على نفقة الحكومة السعودية طوال مدة الغزو واللجوء الكويتي، وحتى الانسحاب وعودة الشرعية للكويت بعد عام كامل.
ويقول: إن مستشفى القوات المسلحة بالهدا الطائف كان يستقبل المصابين من الجنود العراقيين ويعالجهم أسوة بغيرهم، وكان يقابلهم ويسألهم عن دورهم في الغزو فيقولوا إنهم مكرهين وأنهم يقادون للجهات القتالية بالقوة، ومن يعترض أو يهرب يبلغ عنه وينكل بعائلته ويعذبون !!

ويقول: إنه أشرف على علاج الشيخ عبدالله الجابر الصباح أكبر العائلة الصباحية الحاكمة في الكويت، وأنه التقى وزير خارجية الكويت (يومذاك) وأمير الكويت فيما بعد (يرحمه الله) الشيخ صباح الأحمد الصباح وهو يزور مشفى الهدا.
كما يشير إلى واقع الكويت بعد التحرير وأثناء زيارته لها، وكيف كانت الأوضاع وآثار الحرب، ومشاهدة العربات الحربية المدمرة وآلاف القذائف التي لم تنفجر !!
وعند حديثه عن عاصفة الحزم والحرب مع الحوثيين (ص ص 267-284)، يطلعنا على مواقف وأحداث تاريخية لم يسجلها التاريخ المكتوب والمعلن. فهو يوقفنا بكل شجاعة على تكليفه الرسمي للمشاركة في هذه المهمة والذهاب إلى الجنوب ونجران تحديداً، لإنشاء مشفى ميداني يساند القوات المسلحة ويشرف عليه إدارياً وطبياً، وتم ذلك بكل نجاح، ويصف ذلك الإنجاز الذي أرضى المسؤولين والمستفيدين من أبناء القوات المسلحة المشاركين في عاصفة الحزم.
يقول: كانت قوات العدو تهاجم حدودنا الجنوبية عن طريق موجات من الانتحاريين طوال اليوم، وكان هو وأطباء المشفى الميداني على أهبة الاستعداد لاستقبال المصابين والشهداء… ويصفهم بأن إصاباتهم دائماً ما تكون في الصدر أو البطن أو الفخذ من الأمام وهذا يدل على المواجهة والمقابلة مع العدو وليس الهرب أو الفرار !!
كما لاحظ أن بعض أفراد الجيش السعودي يصاب مرة ومرتين أو ثلاث مرات، ويصرون على العودة إلى الجهات لاستكمال المهمات الحربية.
وفي هذه الصور العسكرية التي ينقلها لنا من الميدان الحربي، ما يجعلها تدخل التاريخ من أوسع الأبواب لتكون شهادة عصرية موثوقة وموثقة من شاهد مشارك وقائد من داخل التاريخ وليس من خارجه!!
أعتقد أن هذه الصور التاريخية المعبرة، تضيف للسيرة الذاتية بعداً توثيقياً لا يستغنى عنه دارسو التاريخ الذين يكتبون عن هذه الأحداث المعاصرة في بلادنا السعودية.
وبنفس هذه الروح المعرفية، والمعلومات التاريخية الموثقة من شاهد عصر أمين ينقل لنا المؤلف ما أسميه (تاريخ ما لم يؤرخ) في جميع القضايا التاريخية التي أشرنا إليها بخبرة الباحث/ المؤرخ، وروح المشاهد الإنسان !!
***
(4) وأما المحور أو المستوى الكتابي السيري الثاني في هذا الكتاب، فهو صورة الذات وتجلياتها المجتمعية، حيث يقف القارئ لهذه السيرة على أنموذج من مجتمع الطائف القبلي والتعليمي، وتمرحلاته التمدينية، وثنائية القرية/ المدينة الحضارة/ البداوة، وفي خضم هذه المعطيات تأتي (الذاتية) أو (الأنا) كمحرك وفاعل حقيقي في هذه الأطر المعرفية.
نجد ذلك كله في المحطة الأولى: أحلام لا تنتهي (ص ص 17-68)، حيث يكون الطائف (كمدينة)، والمروة (كقرية في بلاد زهران) – منطقة الباحة حالياً – هما (المكان) السيري، أما (الزمان) فهو ما بين العام 1391هـ وحتى نهاية المرحلة الثانوية، فمدينة الطائف جميلة، وأحد أحيائها (الشهداء الجنوبية) حيث السكن والطفولة والأقران والإخوة والمدرسة التي يتشوق لها طموحاً وشغفاً.
وفي هذا السياق تبدأ العزيمة والكفاح والتثاقف ليكون شيئاً مذكوراً، هنا تتكلم (الذات) وتبرز (الأنا) الطموحة طوال المرحلة الابتدائية وحتى الثانوية !!
هنا نَرَى الطائف القديمة (طائف السبعينات وبداية الثمانينات) لا إسفلت ولا تقدم، والمشافي تعد على الأصابع، وانتشار الأمراض، والطبقية المتوسطة والصغيرة، ونرى الطائف المصيف الذي يستقبل أبناء الرياض والشرقية ومكة في أيام الصيف لانتقال الحكومة السعودية !!
وفي هذا السياق تأتي (القرية) وأبناءها المهاجرين إلى المدن من أجل التعلم والوظائف العسكرية/ الجندية !! واستمرارهم في الطائف حتى يأتي فصل الصيف، ثم يعودون للقرية ويتعايشون مع الأهالي والأقارب بحكم أنهم (متمدنون) وأولئك (قرويون)، فتبدأ الفوارق في اللغة والأسلوب والعادات !!
“فالقرية صغيرة بها عشر عائلات يسكنون في منازل بنيت من الحجر، وسقوفها من أشجار العرعر، ولا يوجد كهرباء ولا شوارع .. ” كما يقول ص 37.
هنا نجد رصداً للعادات الاجتماعية والتقاليد الأسرية القروية والحياة، والمفردات الشعبوية.. والأعراس وطقوسها المجتمعية، والأسواق الشعبية (سوق الأربعاء)، والتكافل الاجتماعي والتعاوني بين أبناء القرية عندما يأتي الضيف أو الغريب.
كما نجد دور النساء في القرية والمجتمع القروي وتعاضدها مع الرجل، ومجالس الصلح القبلي.. (ص ص 37-47). وكل هذه الصور القروية تشكل وثيقة اجتماعية يحتاجها الباحثون في الدراسات الاجتماعية، للتعرف على واقع المجتمع القروي في جنوب البلاد السعودية.
وهذا ما يجعلني أتذكر كتابي عن (النص القروي) الذي طبعه نادي الباحة الأدبي عام 2017م وفيه الكثير من الصور القروية عبر النص الشعري والنص السردي !!
في هذه المحطة السيرية نجد المؤلف يقدم لنا صوراً ودروساً وعبراً استفاد منها، و (وعلوم رجال) تعلمها من خارج الكتب والمدرسة/ (علوم قبايل) و (سلوم عرب) من مجالس الأب والجماعة. كما نجد الزمالات والمعلمين والأفران وأثرهم في التنشئة المجتمعية والتشاكل والاختلاف للتمايز والتكون الذاتي !!
***
(5) وأما المحور أو المستوى الثالث فهو ما يمكن تسميته بـ (المثاقفة التكوينية، والقيادة الفطرية المبكرة والمكتسبة) التي جعلت له كاريزما مقبولة بين جماعته وأقرانه ومعارفه وزملاء العمل !! ويتضح ذلك جليا في كثير من مفاصل الكتاب/ السيرة.
فأول علاقة بالتثاقف كانت من خلال (الراديو/ المذياع) الذي كان رفيق الوالد، وكان صاحبنا يستعيره من الوالد فيستمع إلى الإذاعات المتعددة وبرامجها الثقافية والغنائية والسياسية فيزداد علماً وثقافة (ص 56).
ثم جاء (التلفاز) إحدى وسائل التثقيف والتثاقف المؤثرة في حياة صاحبنا الثقافية حيث أحاديث الشيخ الطنطاوي، ومسابقة القرآن الكريم (ص35)، ثم جاءت المكتبات والمجلات التي عايشها في الطائف واستفاد منها (ص 36) ، وقبل ذلك الرغبة والشغف في الدراسة عبر المسجد/ الكُتَّاب، ثم المدرسة الابتدائية ثم المراحل المتعددة حتى الجامعة، ولا ينسى أن يشير المؤلف إلى دور المساجد والمحاضرات والمواعظ الدينية في تشكيل ذهنيته الثقافية.
وبعد الجامعة تعددت منابعه الثقافية التي شكلت تكوينه المعرفي والحضاري والثقافي، من خلال القراءة والاطلاع، ومصادقة الكتاب والمجلات والدوريات التخصصية، (ص ص 66-67). واتضحت كل هذه الثقافات التي جمعها في ذاته وتكوينه الثقافي، وأثرها في هذا الكتاب وأسلوبه ولغته التي سنشير إلى شيء من جمالياتها في مكان آخر !!
أما القيادة الفطرية والمكتسبة فتتضح في متتاليات أسلوبية رائعة يذكرها المؤلف في ثنايا السيرة الذاتية. فنجد الماحة إلى هذه الروح القيادية المبكرة منذ حصوله على كرة قدم من والده كجائزة على تفوقه الدراسي في الصف الرابع – وتصرفه القيادي مع رفاقه في السماح لهم باللعب بالكرة وتقسيم الفريق والتحكيم والتدريب والأمر والنهي “فالكرة كرتي.. وهذا الشعور أعطاني إحساساً بجمال القيادة”!! ص 26.
ولا يُخفْي اكتسابه صفة (القيادة) وروحها وفعالياتها من مسؤولين عمل معهم وتحت إدارتهم، فقد تأثر (قيادياً) بمدير المشفى اللواء الطبيب عبد الرحمن لنجاوي، الذي يملك عديداً من الصفات القيادية… ومنها القدرة على (التأثير في الآخرين وإقناعهم بأهدافه وغاياته كي يتبنوها وينفذوها دون تردد) وذلك من الصفات القيادية للقائد …. ص 126.
كما تعلم واكتسب فنون القيادة واستراتيجياتها عندما التحق بالكلية الحربية العسكرية وعاني من التدريبات الميدانية والدراسات المنهجية، فأدرك (أهمية قيمة الوقت واحترام النظام، وتنفيذ الأوامر، واتخاذ القرارات الصحيحة، وتحمل المسؤولية، والقدرة على إلقاء الخطب والكلمات أمام الآخرين، واكتساب الثقة العالية بالنفس، والقدرة على تقدير الموقف وتحليل المعلومات …) ص ص 35-36.
وأخيراً تتجلى السمات القيادية والإدارية في جوانبها التطبيقية من خلال المحطات الأخيرة من السيرة الذاتية (ص ص 247-253)، ففيها نجد وصوله عالم الإدرة مديراً لأقسام الجراحة في المشفى العسكري بالهدا (الطائف)، وبداية التطبيقات القيادية والإدارية التي اكتسبها خبرة وتجربة طوال حياته العملية السابقة، ويمكن إجمالها فيما يلي:
- الاعتماد على الخبرات والتجارب الإدارية السابقة وقراءة الكتب الإدرية.
- الانضباط والتقيد بالمواعيد والعمل بروح الفريق، وعدم القيام بكل الأعمال بل عليه الشرح والتفويض والمراجعة والتصحيح والتدريب وتحسين بيئة العمل.
- التحفيز والتكريم والاهتمام بالجوانب المعنوية لمن يقودهم أو يديرهم.
كما تجلت الروح القيادية وسماتها من خلال المناصب الإدارية القيادية التي ترقى إليها وكُلِّف بها:
- قيادة الشؤون الصحية العسكرية (ص ص 254-255).
- قيادة حملة الأمير سلطان الخيرية وإدارة المشفى الميداني في تربة (ص ص 267-269).
- مدير المستشفى الميداني في نجران أيام عاصفة الحزم (ص ص 276-279).
- قيادة العمل الطبي في كوسوفا وبغداد وغيرها (ص ص 286-287).
وبعد كل هذه التطبيقات القيادية،/ العملية والميدانية يصل بنا المؤلف إلى تلخيص وتوثيق خبرته القيادية فيقول:
- الاستفادة من القادة العسكريين الذين عمل معهم وتحلى بالصفات الجيدة التي يتحلون بها وتجنب الصفات غير الجيدة.
- الإيمان بأن القائد العسكري الميداني يختلف عن مثيله العامل في المكاتب وقت السلم، فعليه تقدير الموقف، وتحديد سلامة الموقع والتحلي بالشجاعة والإقدام ورباطة الجأش والتحلي بالأخلاق والقيم الإسلامية واحترام الآخرين، وبذلك تنتقل هذه الروح إلى أفراد الفريق العاملين معه اقتداء واحتذاء. وعلى القائد التواضع ومشاركة أفراده أفراحهم وأحزانهم ليكون قدوة لهم.
- الحرص على أمن وسلامة الفريق، وتفقد أوضاعهم والحرص على المال العام.
- القدرة على اتخاذ القرارات المناسبة، والتواصل مع الجميع حتى تتحقق الأهداف والغايات.
- القدرة على تطبيق الحزم والجدية، متى ما احتاج الأمر ذلك، والتواضع واللين والطيبة في محلها الصحيح.
- العدل والإنصاف والمساواة والعطف وتنفيذ الأوامر العسكرية.
- القائد هو المثل الأعلى لكل العاملين في السلم والحرب، والقادر على التحدث والخطابة دون رهبة أو خوف، والظهور بمظهر الشخصية القوية والكاريزما القيادية (ص ص 286-288).
ومع هذه الإلماحات القيادية ونماذجها التطبيقية / العملية يقف القارئ أمام نوع من القيادة أسميها: القيادة المستنيرة وهذه لا يوصف بها إلا (القائد المستنير) وهو ما كتبت عنه ذات كتابة نقدية تأصيلية فقلت إن سمات هذا القائد المستنير هي:
- من يسعى لتغيير الواقع، وتقديم أطروحات قيادية جديدة.
- الذي يؤمن بدوره التنويري في المجتمع الذي يعمل فيه، ويلعب دوراً أساساً في التماهي مع القيادات العليا في تفعيل كل ما من شأنه التطوير والتحسين والتغيير للأحسن.
- الذي يسعى لترسيخ القيم والمعايير التي تسهم في تقدم المنظومة التي يعمل معها وفيها.
- القادر على إنتاج وتوليد الأفكار وتخصيبها، والقيام بالدور التنويري في المجتمع القريب والبعيد.
- الذي يملك كاريزما جاذبة وصاحب مشروع ورؤية في الإصلاح والتطوير.
- هو القائد الحر، صاحب الموقف والرسالة والقضية، المتمرد على الأشكال التقليدية، الساعي للتجديد والتطوير والإصلاح.
- هو المثقف العضوي الذي يرتبط بمجتمعه ويدافع عن قضاياه بضمير حي وموقف حر مسؤول.
- وأخيراً: هو الشخص المجدد المحول للتحديات والمخاطر إلى فرص وإنتاج وتطوير، القادر على التأمل وابتكار الحلول، للإسهام في التقدم العملي والتطويري للمنظمات والإنسان، ولديه القدرة على استشراف المستقبل والعمل مع الآخرين كفريق متجانس/ متكامل!!

{انظر كتابنا: أبو الشيماء محمد سعيد طيب النثقف المستنير) ، ط1، دار النابغة، القاهرة 1446هـ، ص ص 46-47}.
وتتأكد تلك المعطيات الدالة على القائد المستنير والقيادة المستنيرة من خلال الصورة التي جسدها لنا كلاماً معرفياً في سيرته الذاتية، في مبحث بعنوان (شركاء النجاح لا ينسون) ص ص 38-34.
***
(6) وفي آخر قراءتنا هذه (التنويرية) للمدونة السيرية، سنقف على الجماليات الأسلوبية في كتابة هذه السيرة الذاتية، فالقارئ يجد نفسه أمام أسلوب سهل/ مُبَسَّطٍ يتمشى مع كل المستويات القرائية، في لغته المعبرة والموحية والتي لا فيها تقعر لغوي، ولا استسهال ولا استثقال في المدلول والظاهر.
ومن الجماليات الأسلوبية ذلك الاستخدام الأمثل للضمائر الدالة على الذات، فضمير المتكلم يتجلى في كثير من مفردات هذه السيرة، خذ مثلاً:
- كان شقيقاي؟؟ سمعت من إخوتي .. طلب والدي.. أحد أحلامي في الطفولة.. تعلمت في المرحلة الابتدائية ص 26-28.
- درسنا في مدينة ليون … اكتشفت أن الفرنسيين … تعلمت من فرنسا ص 247!!
- بدأت باتباع هذا الأسلوب – ركزت في إدارتي – كنت أشكر الموظفين ص 250.
إلخ.، هذه الضمائر الدالة على الذات/ على المتكلم نفسه بطل هذه السيرة، والتي تعتبر دلالات سياقية تجسد الأحاسيس والمشاعر وتنقل المعنى المراد إلى ذهنية القارئ/ المتلقي.
وهناك الضمائر الدالة على الآخر .. وهو من جماليات العمل السيري حيث أنها تشكل سمة ذهنية سردية شائعة في الأدب السيري، وهي الخروج عن الذات والذاتية، واستجلاب الغيرية لزيادة الإيحاء والبعد عن الأنا !! يقول:
- كانت المدرسة هي العالم الوحيد.. اصطف الطلاب مع ولاة أمورهم .. اعتاد المعلم أن يقوم بتوزيع القصص … ص ص 24-26.
- انتشر في ذلك الوقت خلاف بين التيار المعتدل، والتيار المتطرف، وظهرت مساجلات قوية.. وظهرت حركة الشعر الحر .. – وهو يقصد هنا (شعر الحداثة) – وبدأ المتشددون بتكفير كل من يكتب بهذه الطريقة.. ص 48.
- في آخر الأيام قرر الأطباء المتدربون البدء بإضراب عن العمل.. ص 172.
- استمرت حكومتنا الرشيدة بدعم البوسنة وشعبها .. ص 176.
- هناك في فرنسا الكل سواسية والمسؤول يعلم أنه يشرف بخدمة الناس وتطوير الخدمة.. ص 178.
وهذه الضمائر الغيرية تدل على التدافع والتداول بين الذات والآخر، بين الأفراد والمجتمع الغيري الذي يتعامل معه أثر وتأثيراً. وكل ذلك يولد لنا روحاً أدبية تستبطن العمل السيري وتقربه من المقروئية الثقافية.
ومن الجماليات الأسلوبية في هذا النص السيري، تلك التشبيهات التي تقارب عالم العسكرية التي هي بيئة الكاتب/ المؤلف ومنها يستقي دلالته الضمنية، وتشبيهاته الأسلوبية، ولعل هذه النماذج تبين لنا الاستدعاء البيئي العسكري المؤثر في نفسيته وتكونه الثقافي، يقول:
- مضت تلك السنة الدراسية وأنا كالفارس المقيد في أحد سجون العدو ص 19.
- المعلم الذي يمدح الطلاب ويهدي كلمات المديح وكأنها أوسمة عسكرية تعلق على صدورهم.
- وكيل المدرسة وهو يحمل عصاه وكأنه جنرال ألماني سيلقي كلمة على جموع من الجيش الألماني.. ص 25.
- كنت أشاهد الجراحين وهم يستخدمون المشرط وكأنهم رسامون – وكنت أشعر كلما يناولني الجراح المشرط وكأنه يهديني سيفاً لأنطلق وأحارب.. ص 125.
هذه الصور والدللالات والتشبيهات المستمدة من البيئة العسكرية هي إحدى السمات الأسلوبية عند صاحبنا المؤلف لهذه السيرة بين الطب والحرب !!
***
(7) وختاماً .. فقد كنت في سياحة معرفية نقدية، ومقاربة تحليلية في نصٍّ سير/ ذاتي لمؤلفه مزدوج المهنة الوظيفيية/ فهو لواء عسكري ودكتور طبي، اللواء الطبيب عطية محمد الزهراني صاحب كتاب: (حياتي في الطبِّ والحرب)، الذي قرأناه عدة مرات أو على عدة مستويات.. قراءة التصفح الأولى وكتابة العناصر الريئيسة للمداخلة النقدية وقراءة العمق المعرفي للوصول إلى زبدة المحطات وفاعلية الأثر الثقافي، وقراءة التحليل النَّصِّي للوقوف على التجليات الذَّاتيَّة والغيرية ونسجها في مقالة نقدية هي هذه التي وَفَّقَنا إلى جعلها بين يدي القراء المنتظرين تحت العنوان الذي اخترناه في مطلع هذا المقال النقدي، آملين أن نكون وفقنا إلى استكناه الجماليات، والتعريف بمجمل المقولات والخطابات كما أرادها الكاتب، ووصل إليها الناقد.
خاتمة شعرية:
في (الطب) أبدع وارتقى بمجاله
و (العسكرية) نالها .. بتفاني
****
هو ماجد ومسدَّدٌ، وموفقٌ
تبدو عليه مشاعر الإنسان
****
سمح المحيَّا … طبعه وطباعه
سمت الوقور، وصولة الشُّجعان
****
النبل يسري في مراقي صمته
والجود من كفيه أمر ثاني
****
والعلم والتعليم بعض صفاته
ومن الثقافة بُعْدَها الروحاني
****
قولوا لمن سكن الجمالُ فؤادَهُ
أنعم وأكرم أنت من إخواني
والقصيدة طويلة اقتطفت منها هذه الأبيات، كمدخل وخاتمة لهذه الورقة على أمل نشرها قريباً إن شاء الله.
والحمد لله رب العالمين.
جدة: من السبت (عصراً) 1447/7/14هـ
إلى الثلاثاء (ظهراً) 1447/7/23هـ
مقالات سابقة للكاتب