أثر الوسيلة في وعي المتلقي

في عصر تتسارع فيه التحولات التقنية وتتنوع فيه أدوات الاتصال، لم تعد الرسالة الإعلامية تُقاس فقط بمحتواها، بل أصبحت الوسيلة التي تُقدَّم من خلالها عنصراً حاسماً في تحديد مدى تأثيرها وعمق وصولها إلى الجمهور. ويُبرز هذا التحول ما طرحه الباحث الكندي مارشال ماكلوهان في نظريته الشهيرة «الوسيلة هي الرسالة»، التي أكدت أن طبيعة الوسيلة لا تقل أهمية عن مضمون الرسالة ذاتها، بل قد تكون هي العامل الأكثر تأثيراً في تشكيل الفهم والاستجابة.

وتقوم هذه النظرية على محور أساسي مفاده أن كل وسيلة اتصال تحمل في بنيتها خصائص فنية وإدراكية تؤثر في طريقة تلقي الجمهور للمحتوى، وفي أنماط التفكير والسلوك الناتجة عنه. فالصحافة المطبوعة، على سبيل المثال، تُعزز القراءة المتأنية والتحليل العميق، بينما تميل الوسائل الرقمية إلى السرعة والتفاعل الفوري، وتفرض أنماطاً مختصرة ومباشرة في صياغة الرسائل.

وفي السياق الإعلامي المعاصر، تتباين خصائص الجمهور بتباين الوسائل المستخدمة. فالجمهور الذي يتابع الصحف التقليدية غالباً ما يبحث عن المعلومة الموثوقة والتحليل المتزن، في حين يتسم جمهور المنصات الرقمية بارتفاع مستوى التفاعل، وتعدد مصادر التلقي، وسرعة الانتقال بين المحتويات. ومن هنا، تبرز أهمية مواءمة الرسالة الإعلامية مع طبيعة الوسيلة، ومع الخصائص الإدراكية والسلوكية للجمهور المستهدف.

ويؤكد مختصون في الاتصال أن نقل رسالة واحدة عبر وسائل مختلفة بالصيغة ذاتها قد يؤدي إلى نتائج متباينة، بل وربما متناقضة. فاختلاف حجم النص، وطبيعة اللغة، وأساليب العرض، كلها عوامل تؤثر في إدراك المعنى وفي مستوى الثقة والتأثير. وعليه، فإن نجاح الرسالة لا يتحقق بمجرد وضوح الهدف، بل يتطلب فهماً عميقاً للوسيلة، وقدرتها على حمل المعنى، وحدود تأثيرها.

وفي هذا الإطار، تزداد مسؤولية المؤسسات الإعلامية في اختيار الوسيلة الأنسب لكل رسالة، وتطوير محتوى يتلاءم مع خصائصها دون الإخلال بالقيم المهنية أو بالمصداقية. كما يفرض الواقع الرقمي ضرورة الجمع بين الثبات في المضمون والمرونة في الأسلوب، بما يضمن وصول الرسالة بفاعلية، وتحقيق الأثر المرجو منها.

وخلاصة القول، إن نظرية «الوسيلة هي الرسالة» لا تزال حاضرة بقوة في المشهد الإعلامي الحديث، وتزداد أهميتها مع تنوع قنوات الاتصال. فالإدراك الواعي لتأثير الوسيلة، ومواكبة الرسالة لخصائصها، يشكلان الأساس لتحقيق تواصل فعّال، وبناء وعي إعلامي قادر على التأثير الإيجابي في المجتمع، بما ينسجم مع تطلعاته وقيمه الوطنية.

مشاري الرحيلي

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *