منتجة الأجيال

الأجيال تتعاقب ، والأمم تتكاثر ، والتاريخ ، لا يُكتب بالحروب والاقتصاد وحده ،
بل يُكتب أولاً في أحضان الأمهات. فكل نهضة حقيقية تبدأ من امرأة أدركت قيمتها، ووعت رسالتها، وأدّت دورها في صناعة الإنسان قبل صناعة أي شيء آخر. ومن هنا جاء وصف المرأة بأنها منتِجة الأجيال؛ فهي التي تُخرِج إلى الحياة رجالًا ونساءً يحملون قيم المجتمع، ويصنعون مستقبله، ويحمون هويته،
هذه الوظيفة الاجتماعية العظيمة ليست عابرة ، ولا مؤقتة ، بل هي تكريم إلهي ، اصطفاه الله بها ، وجعله جزءاً من فطرتها ، وركناً أساسياً في عمران الحياة ،
تشرفت بإنتاج الأجيال ، فكرم الله الأم المسلمة ، فجعل برّها باباً من أبواب الجنة ، حمّلها أمانة التربية ، التي لا تُعطى إلا من يستحقها ، منحها العطف والرحمة
والصبر والتحمّل ، والقدرة على الاحتواء ، ما يجعلها الأقدر على تشكيل وجدان الإنسان.
فالأم ليست فقط من تُنجب، بل من تغرس القيم، وتُهذّب السلوك، وتبني الضمير ، هي المدرسة الأولى، والمعلّم الذي لا يُنسى، والذاكرة التي تبقى في أعماق كل إنسان،
فالمرأة عموماً ؛ هي ركن الاستقرار الاجتماعي ، فلا يمكن لأي مجتمع أن ينهض دون امرأة واعية، لأن الأسرة هي اللبنة الأولى، والمرأة هي قلب هذه اللبنة وروحها ،
فالعقود الأولى ازدهرت بالدور الريادي للمرأة ، حيث كانت تفتخر وتعتز بدورها الطبيعي الأمومي و الاجتماعي ، في إنتاج الأجيال وتربيتهم ،
أما في العصور الأخيرة ، عندما أراد الغزو الفكري إعادة تشكيل وعي المرأة بعيداً عن فطرتها ،فقد تعرّضت المرأة لهجمة فكرية شرسة، هدفها الأساسي فصل المرأة عن دورها الطبيعي، وإقناعها بأن وظيفتها الأساسية الأمومة ، والبيت ورعاية الأولاد ؛ ليست ذات قيمة، أو أنها “أقل” من غيرها،
فأطلقوا التشويه ؛ على مفهوم الأمومة ، صوروها كعبء ، لا كرسالة ، أطلقوا عليها قيد حرية ، وسجن منزل ، لا تكريم إنساني ، ودور ريادي ، وإنتاج مجتمعي ، أشعلوا نار الفتيل بأن الأمومة ، عائق أمام النجاح ، بل هي أعظم النجاح ، وإلا لم نجد ، خبراء ولا أطباء ولا مهندسين ولا…..
يعملون على تنمية المجتمع وتطويره ،
يحاولون إقناع المرأة بأن قيمتها وعلوها ورفعتها في التشبه بالرجل ، فيما يخصه هو دون غيره ، لذا يمجدون ، المرأة التي وقعت في شباكهم ، ويهمشون من عرفت مكرهم ، وحصنت نفسها وتمسكت بمبادئه ،
يظهرون المرأة الناجحة فقط في سياق العمل والظهور الإعلامي، بينما تُهمَّش صورة المرأة الأم المربية، رغم أن أثرها أعظم وأبقى ،
وعلى هذا فإن التحديات أمام المرأة المسلمة كبيرة ، فعلى الأسرة والأولياء والمربين ، دورٌ كبير في توعية الأم والبنت والأخت والمرأة المسلمة عموماً
بخطر هذا الانزلاق ، وهذه المجاراة والتشبه ، والتقليد ، وأن عواقبه وخيمه ،ونهاياته مؤلمة ،
ومن أبرز معالم التوعية بذلك
١- اعتزاز المرأة المسلمة بدينها ، وشرفها ، وتكريم ربها .
٢- افتخارها بالدور الأمومي ، وهو دور وهبه الله لها ، وخلقها من أجله .
٣- إبراز قصص النساء العظيمات اللاتي غيّرن التاريخ من خلال تربية أبنائهن .
٤- ما أجمل وألذ كلمة تسمعها الأم من أبنائها وبناتها ، ( ماما – أمي ) يحيطونها من كل جانب ،إذا نادت هبوا سرعاً لبيك أمي ،
٥-توضيح أن التكريم الإلهي لها ؛ ليس في التشبه بالرجل، بل في أداء الدور الذي اصطفاها الله له ،
٦-لابد أن تدرك الأم أن كل كلمة تقولها لطفلها، وكل قيمة تغرسها، وكل سلوك تهذّبه، هو استثمار حضاري، ستدرك أن دورها ليس منزليًا فقط، بل وطنيًا وإنسانيًا.
٧- لتلعم المرأة أن كل محاولة لفصلها عن دورها الأمومي ليس تحريرا لها كما يصورنه ؛ بل سلبٌ لأعظم شرفٍ خُلقت له.
إن إعادة الوعي للمرأة المسلمة ليس ضدها، بل من أجلها ، ومن أجل مستقبل الأمة كلها.
فحين تعود المرأة إلى رسالتها، يعود المجتمع إلى قوته، وتعود الأجيال إلى أصالتها، وتعود الحياة إلى توازنها .

د.صلاح محمد الشيخ
مستشار أسري وتربوي

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *