التأثير النفسي للإعلام الرقمي (4)

في ظل التحول الرقمي المتسارع الذي يشهده العالم، ومع الارتفاع الكبير في استخدام الهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي والألعاب الإلكترونية، بات الإعلام الرقمي عنصرًا مركزيًا في الحياة اليومية للشباب السعودي، لا سيما في المدن الكبرى. هذا الحضور الطاغي لم يعد مجرد وسيلة للترفيه أو التواصل، بل تحوّل إلى بيئة نفسية واجتماعية متكاملة تُعيد تشكيل الوعي والسلوك والهوية.

تشير ملاحظات ميدانية ودراسات علمية حديثة إلى تزايد مظاهر الانطواء الاجتماعي والعزلة النفسية بين فئة من الشباب، نتيجة الاستغراق المفرط في العالم الرقمي، حيث يستحوذ الإعلام الجديد على الجزء الأكبر من أوقات الفراغ، ويُزاحم التفاعل الإنساني المباشر، ويُعيد تعريف مفهوم العلاقات الاجتماعية.

لقد أظهرت العديد من الأبحاث أن الإدمان الرقمي، والمقارنة الاجتماعية، والانطواء تُعد من أبرز السلوكيات السلبية المرتبطة باستخدام الإعلام الرقمي بين الشباب السعودي. ولا تقتصر آثار هذه السلوكيات على الجانب النفسي فحسب، بل تمتد لتؤثر في جودة العلاقات الاجتماعية، ومستوى الأداء الأكاديمي والمهني، إضافة إلى اضطراب مفهوم الذات وتراجع الشعور بالرضا النفسي. وهو ما يستدعي، على المستويين المؤسسي والمجتمعي، تبني برامج توعوية وإرشادية تُعزز ثقافة الاستخدام المسؤول والمتوازن للإعلام الجديد.

الباب الثالث: الدراسات السابقة والإحصاءات

أولًا: الدراسات العربية والمحلية حول تأثير الإعلام الجديد على الشباب

1. الاتجاهات الحديثة في بحوث تأثيرات الإعلام الجديد على الشباب

كشفت دراسة تحليلية شاملة جمعت نتائج 177 دراسة عربية وأجنبية عن التأثيرات المتعددة للإعلام الجديد على الشباب، حيث تناولت الجوانب النفسية، والاجتماعية، والسلوكية، والمعرفية، والدراسية، والصحية، إضافة إلى تأثيراته على القيم، والهوية، والانتماء.

وقد شملت هذه الدراسات منصات التواصل الاجتماعي، والمدونات، والمنتديات الرقمية، وأكدت أن الإعلام الجديد يمتلك قدرة عالية على تشكيل الاتجاهات والهوية وبناء الثقة أو تقويضها داخل المجتمعات الشبابية.

2. اتجاهات الشباب العربي نحو تأثير الإعلام الجديد على دعم الأمن الفكري

بحث عربي تناول دور الإعلام الجديد في تشكيل الصورة الذهنية والأمن الفكري لدى الشباب العربي، وشمل عينة من دول الخليج (السعودية، الإمارات، عمان، والبحرين). وأكدت نتائجه أن التعرض المستمر لمحتوى غير منضبط أو موجّه أيديولوجيًا قد يؤدي إلى اختلال في منظومة الأفكار، ويُهدد مفهوم الأمن الفكري لدى الشباب.

3. تأثير الإعلام الرقمي في تعزيز مفهوم المواطنة لدى الشباب السعودي

ورغم تركيز بعض الدراسات على الجوانب الإيجابية، إلا أنها تُبرز بوضوح التأثير العميق للإعلام الرقمي في تشكيل وعي الشباب السعودي بمفاهيم المواطنة، والانتماء الوطني، والمسؤولية الاجتماعية، ما يؤكد أن الإعلام الجديد ليس أداة محايدة، بل قوة فاعلة في بناء القيم والاتجاهات.

ثانيًا: الدراسات الدولية والتأثيرات النفسية والسلوكية

1. التأثيرات النفسية السلبية لوسائل التواصل الاجتماعي:

أظهرت دراسات دولية حديثة أن الاستخدام المفرط لمنصات التواصل الاجتماعي يرتبط بارتفاع مستويات القلق النفسي وانخفاض تقدير الذات، خصوصًا نتيجة المقارنات الاجتماعية المستمرة، والخوف من فوات الفرص (FOMO)، وهو ما ينعكس سلبًا على استقرار الهوية الذاتية لدى الشباب.

2. إدمان وسائل التواصل والتغيرات السلوكية:

أكدت دراسة بعنوان The Impact of Social Media Addiction on Youth أن الإدمان الرقمي قد يؤدي إلى تغيرات نفسية وسلوكية خطيرة، تشمل تراجع احترام الذات، زيادة القلق، وتفاقم الاضطرابات العاطفية، وقد يصل في بعض الحالات إلى سلوكيات متطرفة أو انعزالية.

3. الخوارزميات والتفاعلات النفسية:

في دراسة منشورة على منصة ArXiv، تبيّن أن خوارزميات منصات التواصل الاجتماعي تُسهم في تعزيز الضغط النفسي لدى المراهقين والشباب، من خلال الترويج المكثف للصور الرقمية المثالية، وتغذية المقارنات الاجتماعية، ما يؤثر سلبًا على الصحة النفسية والتوازن الانفعالي.

ثالثًا: دراسات تطبيقية حول الثقافة والسلوك الاجتماعي

1. تأثير الإعلام الجديد على ثقافة الشباب:

دراسة تطبيقية تناولت منصة إنستغرام كنموذج، وأوضحت أن الإعلام الرقمي لا يقتصر تأثيره على السلوك الفردي، بل يمتد ليُعيد تشكيل القيم الثقافية، وأنماط التفكير، والرموز الاجتماعية السائدة بين الشباب الجامعي.

2. الإعلام التفاعلي واتجاهات الشباب في السودان:

بحث أُجري على عينة من الشباب في ولاية البحر الأحمر بالسودان أظهر أن وسائل الإعلام التفاعلي تؤثر بشكل مباشر في الاتجاهات الاجتماعية والقيم السلوكية، مما يدعم فرضية أن الإعلام الجديد يُسهم في إعادة تشكيل الوعي الجمعي داخل المجتمعات.

رابعًا: الدراسات الصحفية والتقارير العالمية الحديثة

إلى جانب الدراسات الأكاديمية، كشفت تقارير صحفية عالمية حديثة عن علاقة وثيقة بين الاستخدام المفرط للشاشات الرقمية وازدياد المشكلات النفسية والصحية بين المراهقين. وأظهرت دراسات طويلة المدى أن التعرض المكثف للهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي يرتبط بارتفاع مخاطر الاكتئاب، والقلق، والأفكار والانفعالات الانتحارية.

كما أشارت تقارير متخصصة إلى أن خوارزميات منصات مثل إنستغرام تُكثّف تعرض المراهقين لمحتوى يؤثر على صورة الجسد ويُشجع سلوكيات خطرة، وهو ما يُعد مؤشرًا واضحًا على التأثيرات السلبية المحتملة للإعلام الرقمي إذا لم يُستخدم ضمن ضوابط أخلاقية وتربوية.

خلاصة:
تُجمع الدراسات المحلية، والعربية، والدولية على أن الإعلام الرقمي يمتلك تأثيرات متعددة الأبعاد على الشباب، تشمل الجوانب النفسية، والاجتماعية، والسلوكية، والقيمية. وتؤكد الأبحاث الحديثة أن الاستخدام المفرط أو غير المقنن لهذه الوسائل يرتبط باضطرابات نفسية وعاطفية متنامية.

ويمكن تصنيف هذه الدراسات وفق نطاقها الجغرافي (محلية، عربية، دولية)، أو مناهجها البحثية (استبيانات، تحليل محتوى، دراسات تجريبية)، ما يمنحنا رؤية شاملة تُبرز خطورة الإعلام الجديد بقدر ما تُظهر إمكاناته، وتُحمل المجتمع مسؤولية توجيهه نحو بناء الإنسان لا استنزاف!

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *