في مساحات القول المفتوح، حيث تختلط الأصوات وتتشابك النيات، يبرز أحياناْ خطابٌ لا ينتمي إلى معنى الكلمة ولا إلى شرف الاختلاف، خطابٌ مشحون بالاستنقاص، متخم بالإيحاء، متكئ على سفاهةٍ لا تجرؤ على التصريح لكنها تتقن الوخز. كلماتٌ تُقال لا لتُفهِم، بل لتُربِك، لا لتناقش، بل لتنتقص، ولا لتعبّر عن رأيٍ بقدر ما تكشف عن صاحبها وهو يتوارى خلف جملةٍ مهزوزة، أو سخريةٍ رخيصة، أو نبرةٍ متعالية لا تستند إلى مضمون.
وهنا لا يكون السؤال: لماذا قال؟ بل: ماذا يقول قوله عنه؟ فالكلمة، مهما حاول صاحبها تزييفها، تفضح نياته، وتعرّي مستواه الداخلي. الإنسان المتزن لا يحتاج أن يجرح ليُثبت حضوره، ولا أن يُهين ليُقنع، ولا أن يتهكم ليشعر بقيمته. أما من يلوذ بالإسفاف، فغالباْ ما يفعل ذلك حين تضيق به نفسه، ويعجز عن مجاراة من أمامه فكراْ أو خُلقاْ أو أثراْ، فيستبدل المنافسة الشريفة بالتحقير، والجهد الحقيقي بالضجيج.
إن كثيراْ من المضايقات اللفظية ليست سوى أعراض جانبية لخلل أعمق: اضطراب في تقدير الذات، شعور دفين بالنقص، أو إحساس مُرّ بالهزيمة الداخلية حين يرى الإنسان غيره متقدّماْ عليه في مسارٍ ما. وحين يعجز عن اللحاق، يختار بوعيٍ أو دونه أن يشدّ غيره إلى الأسفل، ظناْ منه أن التقليل من الآخر يرفعه، وما علم أن هذا الفعل لا يزيده إلا انكشافاْ.
والأخطر من الكلمة الجارحة، وهمُ القوة الذي يرافقها. فليس كل من أساء جريئاْ، وليس كل من تطاول قوياْ، وليس كل من رفع صوته حاضراْ. في أحيان كثيرة، يكون الصخب غطاءً للفراغ، والوقاحة قناعاْ للخوف، والهجوم محاولة يائسة للهروب من مواجهة الذات. ومن الخطأ أن نخلط بين الجرأة والوقاحة، أو بين الصراحة والتجريح، أو بين النقد والهدم.
إن الوعي في مثل هذه المواقف لا يظهر في سرعة الرد، بل في دقته، ولا في حدّته، بل في توقيته، وأحياناْ وهذا أدق في الامتناع عنه. فالتجاهل الواعي ليس انسحاباْ، بل تفوقاْ هادئاْ، واختياراْ أخلاقياْ يضع حداْ للإسفاف دون أن يهبطه إلى مستوى الرد. في مثل هذه اللحظات يتجلّى الوعي لا بوصفه موقفاْ نظرياْ، بل باعتباره سلاحًا في مواجهة الإسفاف؛ سلاحاْ لا يجرح، لكنه يُربك، ولا يهاجم، لكنه يُفقد الإساءة قدرتها على التأثير.
ولعل أكثر ما يربك صاحب الخطاب السفيه، أن يُقابَل بالهدوء، وأن يُترك أمام كلماته عارياْ من ردّ، فلا يجد ما يتغذى عليه، ولا ما يستفز به، فيضطر إن كان لديه أدنى وعي إلى إعادة قراءة ما كتب، لا ليرد، بل ليرى صورته فيه. عندها فقط يدرك أن كلماته لم تُضعف غيره، بل كشفت ضعفه، ولم تُحرج سواه، بل أحرجته.
كما أن الارتقاء عن الرد ليس تنازلاْ عن الحق، بل هو اختيار ذكي لمعركةٍ أنبل. فليس كل إساءة تستحق الرد، وليس كل جدال يستحق الوقت، وبعض الكلمات تموت حين لا تجد من يحملها. إن منح الاهتمام لمن لا يملكه أخلاقياْ، نوع من الظلم للنفس، وإهدار للطاقة، وتشويش على البوصلة.
وإذا كان الخطاب السفيه فردياْ في ظاهره، فإنه في حقيقته ظاهرة تستحق الوقوف؛ لأنه مؤشر على خلل أوسع في ثقافة الحوار، حيث يُستبدل المنطق بالانفعال، والحجة بالهجوم، والفكرة بالشخصنة. وهنا تأتي المسؤولية: أن نُعيد للكلمة وزنها، وللخلاف شرفه، وللصمت مكانته حين يكون الكلام عبثاْ.
إن الإنسان الواثق لا يُستفَز بسهولة، ولا يرد بدافع الغضب، ولا يسمح لغيره أن يحدد مستوى خطابه. هو يعرف أن قيمته لا تُنتقص بكلمة، ولا تهتز بسخرية، وأن مكانته لا تُهددها عبارة عابرة. لذلك يمضي، تاركاْ خلفه ضجيجاْ لا يلتفت إليه، وكلماتٍ تعود إلى أصحابها مثقلةً بمعانيها.
وفي المحصلة، تبقى الحقيقة الأوضح: من كان ممتلئاْ من الداخل، لا يحتاج أن يُفرغ سمّه في غيره. ومن كان صادقاْ مع ذاته، لا يختبئ خلف إساءة. أمّا الوعي، فهو أن تعرف متى تتكلم، ومتى تصمت، ولماذا يكون الصمت أبلغ من الكلام.
محمد عمر حسين المرحبي
مقالات سابقة للكاتب