قال لاتخف!!

الخوف لا يسرق منك النجاح فقط بل يسرق عمرك وأنت حي. يجعلك واقفاً في مكانك بينما الحياة تمر من حولك مسرعة فلا تشارك فيها ولا تعيشها وتبقى على هامش الحياة.
الخوف ليس شعوراً طارئاً ولا لحظة ضعف عابرة بل قوة خفية تشل إرادتك وتعطل عقلك وتغلق أمامك أبواب القرار فتتحول إلى شاهد صامت على فشلك لا لأنك عاجز بل لأنك خائف.
الخوف سم قاتل يتسلل إلى أعماقك دون أن تشعر فيربك أفكارك ويضخم مخاوفك ويقودك إلى قرارات خاطئة أو إلى اللاقرار.
الخوف أخطر من الفشل نفسه لأن الفشل يعلمك، أما الخوف فيمنعك حتى من المحاولة ويجعلك ترى الطريق ولا تسلكه وتعرف الحق ولا تدافع عنه وتؤجل حياتك يوما بعد يوم حتى تصبح الغربة بينك وبين نفسك عميقة وتفقد في نهاية المطاف ذاتك وتفقد التواصل معها أو فهمها وتعيش الحيرة في أعظم صورها.
ويعد الخوف مرض نفسي وثقافة موروثة تتغذى من تجارب مكسورة ونماذج فاشلة مرتجفة، ويعد الخوف العدو الأول للنجاح والحرية والكرامة.
ما دام الخوف يقودك فلن تقود حياتك وما دمت تهرب منه فلن تنجو إلا بمواجهته والتغلب عليه وإدارته.

الخوف ليس شعورا عابراً يمر ثم يزول بل هو شلل معنوي يتسلل إلى الإنسان من داخله فيعطل قدراته ويجمد قراراته ويتركه واقفاً في مكانه لا يتقدم ولا يتأخر بينما الزمن يمر من أمامه سريعا وهو في سكون مؤلم وحزن مطبق لا نهاية له.
الخوف سرطان النجاح يضعك في دوامة لا تنتهي من التفكير السلبي والقلق والاضطراب النفسي حتى يفقد العقل بوصلته ويتيه الإنسان في صحراء الحياة بلا خارطة طريق ولا طوق نجاة.
الخوف يجعلك ترى ولا تبصر تسير متخبطاً كالأعمى رغم أنك مفتوح العينين لا تعرف الاتجاه وتحتاج دائماً إلى من يقودك ويأخذ بيديك المرتعشة، وقد يحولك الخوف إلى طفل غير قادر على التمييز بين الصواب والخطأ فاقداً للمسؤولية فيصبح الخوف مرضاً يسرق منك رشدك وقوتك في وقت واحد.

الخوف أحد أخطر أمراض النفس البشرية لأنه لا يضعفك فقط، بل يمنعك من استخدام قدراتك ومواهبك فتفشل لا لأنك عاجز بل لأنك لم تمنح نفسك فرصة المحاولة والإقدام.

الخوف غالبا ما يكون نتيجة عقد نفسية مترسبة من الماضي ومعتقدات خاطئة ومعايشة نماذج فاشلة تقتل الثقة بالنفس فتفقد القدرة على دفع الضر عن ذاتك وتقف في مكانك تنتظر النهاية.

وفي العلاقات يظهر الخوف جلياً وبصورة أشد حين تتحمل فوق طاقتك وتتنازل عن حقوقك وتستنزف روحك على أمل ألا تفقد العلاقة فيجعلك الخوف صامتا لا تطالب بحقك ولا تقول كلمة( لا) فيصبح صوتك مسلوبا وحقوقك مؤجلة حتى تنسى وتعيش دور الضحية.

وهناك فرق بين الخوف والجبن، فالخوف إذا استحكم فيك صنع منك شخصاً جباناً رغم أنك في حقيقتك شخص شجاع فيسلبك شهامتك ومرؤتك وإقدامك ويقودك إلى قرارات خاطئة وتردد دائم وعجز عن الحسم وقد يصل بك إلى الهروب من مواجهة الحقيقة حتى إن بعض الخائفين من تداعيات الخوف عليهم تجدهم يلوذون بالنوم هربا من مشاكلهم بدل مواجهتها، والعمل على حلها.
الخوف ليس مرضا عضويا بل هو ثقافة تتغذى حين يقلد الناس الفاشلين ويحاربون الناجحين وحين يتصدر الخائفون مواقع المسئولية والإدارة ، فالقائد الخائف يفشل من حوله من الناجحين ولذلك قال العالم أحمد زويل رحمه الله في أحدى لقاءاته ، لسنا أقل ذكاء ولا قدرة من الغرب ولكن الغرب يظل خلف الفاشل حتى ينجح ونحن نظل خلف الناجح حتى يفشل؟!.
وهنا استذكر قول الشاعر :
عاش باللذات كل مغامر
ومات بالحسرة من يخشى العواقب

الخوف سم قاتل ليس له علاجاً خارجياً ، أنت صاحب العلاج إن تركته قتلك وإن واجهته نجوت وتحررت وكسرت القيود التي تكبل ذاتك وتضعف قوتك وإرادتك ،فخوف الحاضر هو نتيجة ترسبات من الماضي، لكنه لا يملك السيطرة على مستقبلك إلا إن سمحت له بذلك، وهو يجعلك تهرب من الحقيقة وتعيش في الظلام، ونتيجة للخوف تشعر بالألم النفسي حين ترى الناجحين يحققون أهدافهم بينما أنت تعيش على الأماني والحسرات التي لا تغني ولا تسمن من جوع ، فتنطوي وتتقزم وتخاف بدلاً من أن تتعلم وتنهض وتقبل على الحياة بجد ونشاط.

ومن الشرع نقول إن الخوف المفرط الذي يمنعك عن العمل يخالف التوكل على الله، قال تعالى “فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ” [آل عمران: 159] فالمؤمن الحق يقرر ويخطط ويخاف ويقفز ويعمل لأنه متوكل على الله والخوف الذي يشل العمل هو خيانة لشرع الله ولنفسك ولحياتك.
الخوف لا يرحم من يساومه ولا يترك من يؤجله ولا ينسحب من حياة من يبرر له فهو إن لم تواجهه اليوم واجهك غداً ، وقد صار أعمق وأقسى وأكثر سيطرة فلا تنتظر أن يتلاشى وحده ولا تراهن على الوقت فالوقت لا يعالج الخوف بل يثبته ويعمقه في روحك.

ختاماً إيها الخائف ، إما أن تقطع معه الآن أو يقطعك على مهل إما أن تنتزع قرارك من يده أو تعيش عمرك كله رهينة للخوف ، ليس هناك حل وسط مع الخوف وليس هناك، هدنة دائمة معه. فقط المواجهة وحدها هي البداية وكل خطوة شجاعة مهما بدت صغيرة هي إعلان للحياة وللتغيير الإيجابي.
ختاماً عزيزي القارئ :
الخوف لا يسقط فجأة، ولكنه ينهار لحظة تكف عن طاعته ، وحين تستعيد صوتك وتقول (لا ) للخوف ، حينها فقط تبدأ في استرداد نفسك وحياتك وكرامتك فالنجاة ليست في غياب الخوف بل في ألا تحكمك قبضته بعد اليوم وأن تتعامل مع الخوف بشكل إيجابي وأن تقدم على التغيير والمضي قدما نحو القمة حتى مع وجود الخوف ، حيث ستخف سطوته عليك كلما خطوت للإمام وكلما سرت بثقة وعزم في دروب النجاح.

نوار بن دهري

NawarDehri@gmail.com

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *