خليص في التاريخ المنسي (٣٤)

قراءة في الذاكرة 
كأنما رغبت خليص في وصل حاضرها بماضيها؛ أو قل – بمعنى أكثر دقة – أحالت الذاكرة إلى مشهدٍ مرئي. وهي مؤشر على يقظة المشتغلين بالتنمية في أنماطها الإنسانية المختلفة. وخليص إن لم تكن الوحيدة الفاعلة في الحراك الاجتماعي؛ فإنها صاحبة التجربة الطويلة التي تميزت بشغف أبنائها بتأسيس الجمعيات وإدارتها.

والشواهد كثيرة – سوف أمر عليها مرور الكرام حين سياقها – لكنني في حضور الغائب الذي اقترن اسمه بـ الجمعة سأستجمع ذاكرتي؛ فمنذ تأسيس ما سُمّي بـ السوق الكبير، انتعشت على هامشه حركة تجارية. ولا نذكر سوقًا يضاهيه على امتداد المساحة الجغرافية التي تُعرف اليوم بمحافظة خليص؛ حتى عسفان لم تكن سوى محطة استراحة وعبور. وكما هي الأسواق تُعرف بأيام الأسبوع – حتى تتوزع المنافع ولا تتضارب المصالح – فقد اختصت خليص بـ سوق الجمعة لاجتماع الناس من القرى المجاورة، واستنزالًا للبركة.

وقد عاصرته في الثمانينات من القرن الرابع عشر الهجري – وكان قبل ذلك بكثير – ولسعته، واحتشاد الناس فيه، وتنوع بضاعته، وما يستجد على هوامشه من منازعات؛ حرصت المرجعيات على تعيين الشيخ محمد بن مرعي المغربي أميرًا للسوق (ناظرًا). وكانت عمليات البيع والشراء تتم بالمزاد أو مباشرة.

اليوم تعيد خليص كتابة التاريخ؛ تحتفظ بالاسم فقط تيمنًا بدلالته المباركة «سوق الجمعة»، وتُغيّر نشاطه إلى عمل خيري، واقتصاد موجه. وهو واجهة لعمليات تشمل في إطارها التنظيمي العديد من المهام: دعمًا ماديًا، ومعنويًا، وتسويقيًا، ودورات تأهيل، وخططًا مستقبلية؛ أبرزها الزواج الجماعي.

قد يستسهل البعض إدارة مشاريع جمعية التنمية الأسرية؛ فيغفل عن تركيبتها، وتعقيد مسارها كأي عمل خيري. فهي تتبنى وفرة من البرامج مثل: تعزيز الاستقرار الأسري، تقديم الإرشاد الأسري، تأهيل المقبلين على الزواج، وبناء القدرات في مجال بناء الأسرة واستدامتها. إن تحديد المستفيدين ليس خيارًا؛ بل يخضع لشروط الاستحقاق. وإذا كان التمويل أساس عمل الجمعية؛ فإنه يتطلب بناء الثقة، والعلاقات العامة. وإذا كان التطوير ضرورة؛ فإنه يلازم الخبرة، ويقترن بالتوجه السليم، وصدق النية.

وكل هذه المكتسبات توفرت في القائمين على إدارة جمعية التنمية الأسرية، التي يترأس مجلس إدارتها الأستاذ خالد عبدالعزيز الشيخ، وتحتضنها رعاية الرئيس التنفيذي – إضافة إلى جمعية التنمية الأهلية – الأستاذ محمد سلطان. ولا نغفل جهود كل الخيرين من أبناء خليص، الذين رفدوا المحافظة بخبراتهم، واستقطعوا من أموالهم في وجوه البر ما يصل حد الإيثار. وعلى رأس القائمة طيب الذكر الدكتور عبدالمنعم حسن الشيخ، في شمولية تبدأ من دور العبادة، ولا تقف عند باب العيادة…

أما بعد:
شكرًا للأخت شذى المزروعي – صوت خليص – التي وظفت سنابها لنقل الفعاليات بصدق وإتقان، وفي مبادرة تطوعية بمضامين ثقافية وجمال في العرض. لكِ الامتنان على جهودك الطيبة، وانتمائك للمكان، وحبك لأهله.

 

محمد علي الشيخ

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *