‏التحيُّز المعرفي .. بين التشكُّل والتشْكِيّل

يميل الدماغ البشري إلى تبسيط معالجة المعلومات من خلال مُرشِّح التجارب والتفضيلات الشخصية.
وعملية التصفية هذه هي آلية تكيُّف تُمكّن الدماغ من تحديد أولوياته ومعالجة كميات كبيرة من المعلومات بسرعة.
ونحن من خلال هذه العملية نكون قد أصابنا التحيُّز المعرفي دون وعي.
طُرِحَ مفهوم التحيُّز المعرفي لأول مرة على يد آموس تفيرسكي ودانيال كانيمان عام ١٩٧٢.
ويهدف هذا المفهوم في جوهره إلى مساعدة الناس على إيجاد طرق مختصرة عقلياً تُسهّل عليهم إدارة حياتهم اليومية،إلَّا أنه قد يُؤدي إلى تفسيرات وأحكام غير منطقية.
‎ومع أننا نميل إلى اعتبار أنفسنا كائنات عقلانية تُحلِّل المعلومات قبل اتخاذ أي قرار،إلَّا أن هذا غالباً ما يكون غير صحيح؛فكل شخص مُعرَّض للتحيُّز المعرفي بدرجاتٍ متفاوتة وعلى مدى العقود الستة الماضية، حُدِّدتْ قائمةٌ مُتطورةٌ باستمرارٍ من التحيُّزات المعرفية الشائعة في أبحاث الحكم البشري، واتخاذ القرار في علم النفس المعرفي، وعلم النفس الاجتماعي والاقتصاد السلوكي.
ويأتي على رأس هذه القائمة، انحياز الفاعل، وهو ميْل الفرد إلى إرجاع ظروفه إلى أسباب خارجية، بينما يُرجع سلوكيات الآخرين إلى أسباب داخلية.
كذلك الاستدلال بالتأثير، وهو ميْل مزاج الشخص وحالته العاطفية للتأثير على قراراته.
ثم يأتي انحياز الترسيخ، وهو ميْل الدماغ للاعتماد بشكل مفرط على أول معلومة يتلقاها عند اتخاذ القرارات.
ومن أنواعه أيضاً، الانحياز الانتباهي، وهو ميْل الفرد إلى التركيز على فكرةٍ واحدة والانحراف عن غيرها.
ومن أنواع التحيُّز المعرفي، الانحياز السلبي، وهو ميْل الدماغ اللاواعي لإعطاء أهمية أكبر للأحداث السلبية مقارنةً بالإيجابية.
ويقابل هذا الانحياز، انحياز البقاء، وهو ميْل الدماغ للتركيز على النتائج الإيجابية بدلاً من السلبية.
ويمكن للإنسان معرفة مدى إصابته بالتحيُّز المعرفي من خلال ظهور علامات منها، إذا نسب الفرد النجاح لنفسه، بينما نسب نجاح الآخرين للحظ، أو عوامل أخرى.
كذلك إذا اعتمد الفرد على معلومات مبكرة، أو أولية وفشل في التكيُّف، أو تغيير تفكيره بناءً على معلومات جديدة.
أيضاً إذا افترض الفرد أن لديه معرفة أكثر مما لديه بالفعل حول موضوعٍ ما.
وإذا أصرَّ الفرد على إلقاء اللوم على العوامل الخارجية بدلاً من إلقاء اللوم على نفسه.
كذلك من علاماته، أن الإنسان ينتبه فقط إلى ما يؤكد آراءه.
وحتى ينجو الإنسان من الوقوع في فخّ التحيُّز المعرفي، عليه الوعي بالتحيُّز، ماهيته، وكينونته، وآليه تشكُّله، وطريقة تشْكيّله.
أيضاً يلزم النجاة منه، معرفة الإنسان للعوامل المؤثرة على قراراته، وإدراك أننا نُصَاب بالتشوُّهات المعرفية، ونحسب أننا الأكثر جمالاً في الفكر، والأبهى أناقةً في الأسلوب، ويغيّبُ عنا أننا حتى وإنْ بلغنا بعضاً من المعرفة؛ غابت عنا معارف كُثْر، وأننا في كثير من الأحوال، نُصاب بمسّ المعرفة، دون أن ندرك أننا -في حقيقة الأمر- لا نملك سوى وهْمَاً زائفاً من العلم، وأبعد ما نكون عن فضيلة التواضع ولين الجانب.
كذلك يلزم النجاة من الوقوع في براثن التحيُّز المعرفي، إدراك خطورته، وفداحة آثاره، وفضاعة التماهي مع نسقه الذهني.
فالتحيُّز المعرفي يحجب عن أعيننا حقيقةً جليّة، ويمنع عقولنا من النظر بشمولية، وسعة أفق للأحداث.
وتتضح آثاره السلبية عندما نمارس إقصاءً وتهميشاً لآراء وتفضيلات الآخرين، أو عندما ننحاز لرغباتنا الدفينة في التفرُّد والبروز على حساب الحق والعدالة، أو عندما نصد عن القول الصواب؛ لأنه جاء من شخص لا نحبه، أو حين نقبل بالقول الزائف؛ لأنه جاء من إنسان يحظى لدينا بالقبول والتقدير.
وداهية الدواهي للتحيُّز، عندما يأتي من أجل الفوز بلذةٍ عابرة على حساب ثواب مقيّم من الرزَّاق الكريم.
وعلى جانب آخر، وصل ضرره إلى المجالات التقنية والعلمية، فيمكن أن يؤثر التحيُّز المعرفي على تحليلات بيانات البرمجيات، ونماذج التعلم الآلي.
فمثلاً، التحيُّز المعرفي الذي يحدث عند اختيار البيانات؛ قد يؤدي إلى نتائج خاطئة من الأدوات الرقمية المستخدمة في التحليلات التنبؤية، والتحليلات الوصفية.

سليمان مُسْلِم البلادي
solimanalbiladi@

الحلقات السابقة من روشتة وعي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *