عندما كنّا صغارًا، وفي المدرسة كان المعلم يكافئ الطالب الذي يجيب من المحاولة الأولى بوضع نجمة على دفتره تكريمًا لذكائه الخارق.
في حين يُقابل الطلبة الآخرين بالتهميش والتجاهل…
شيئًا فشيئًا، ترسخ في أذهاننا أن الخطأ يعني الغباء، أو سوء تصرف، أوقلة فهم.
نشأنا على وهم أن الصواب من المحاولة الأولى هو معيار الذكاء، وأن الخطأ عار ينبغي ستره لا درسًا ينبغي فهمه.
هكذا صاغوا وعينا صغيرًا… نجمة للذي يجيب سريعًا، وإهمال لمن حاول ولم يصب.
تبرمج عقلنا على الخوف منه وتفاديه…
لكن ماذا عن الخبرة التي لا تحصل إلا بالتجريب؟
ماذا عن تلك الدروس التي لا تُفهم إلا بعد محاولة فاشلة؟
كيف سنتقبل عدم نجاح محاولتنا الأولى في معترك الحياة؟
لم يخبرونا أن أعظم النجاحات خُلِقت من رحم التجربة، وأن الدرس الأعمق غالبًا ما يسكن في المحاولة التي لم تنجح، لا في تلك التي حالفها الحظ من أول الطريق.
لم يقولوا لنا إن السقوط ليس عيبًا، بل هو أحد أبواب الفهم، وأن الحكمة لا تعني أن تتجنب العثرة، بل أن تتعلم كيف تنهض بعدها ببصيرة لا تتكرر معها ذات الزلّة.
ليتهم أخبرونا… بأن الفشل بداية لانهاية.
ربما حان الوقت لإعادة النظر في علاقتنا بالخطأ، كي لا نبقى حبيسي الخوف من الفشل.
ووجب الآن أن نعلم غيرنا بأن التجربة تولد الخبرة والخبرة تولد الحكمة، ويتلو ذلك نجاح لافشل.
وصيتي لك أيها المدرب… لا تكن حاكمًا على النتيجة، كن راعيًا للطريق.
ليست مهمتك أن تمنح الجوائز لمن صادف الإجابة الصحيحة، بل أن تخلق بيئة يشعر فيها المتدرّب بالأمان ليجرب، يخطئ، ويكتشف دون خوف من الإقصاء أو التوبيخ.
لا ترفع من يجيب فقط، ولا تُقصِ من يحاول…
بل امدح السؤال الحرّ، واحتفِ بجرأة التفكير، وأثنِ على المسار لا على النتيجة وحدها.
ذكّرهم دائمًا أن الذكاء الحقيقي ليس في سرعة الإجابة، بل في عمق الفهم، وفي مرونة الفكر حين يُجدد محاولاته بحثًا عن الصواب.
أعد تعريف النجاح… كي لا تُطفئ شغف المتعلّم.
لا تجعل غايتهم أن يصلوا أولًا، بل أن يصلوا واعين.
أن يدركوا أن الهدف ليس صواب الإجابة، بل أن تنضج الرحلة داخلهم.
صمم مساراتهم التدريبية لتكون ساحة تجريب…
لا مجرد اختبار للحفظ أو لقياس سرعة البديهة، بل مختبرًا للتأمل، للإبداع، للبحث عن احتمالات جديدة في كل محاولة.
كن لهم كما يحتاجون أن تكون…
تذكّر أن المتدرب لا يراك معلمًا وحسب… بل يراك أبًا يحمل الطمأنينة، وقائدًا يرشد بحكمة، ومُلهِمًا يضيء الطريق.
يرى فيك ملاذ الأمان الذي يسمح له أن يخطئ وهو مطمئن أنه سيجد يدًا تعينه لا سياطًا تجرّحه.
لا تكسر قلبه حين يتعثر، ولا تنهره حين يضلّ، ولا تجعله يُغترّ إن أصاب.
كن الداعم لمن تأخر أن ينهض، وكن المشجع لمن أجاد أن يظل متواضعًا ساعيًا للمزيد.
لا تُغرقهم في وهم التفوق السريع، بل ازرع فيهم أن التفوق الحقيقي هو الاستمرارية، هو الفضول، هو التعلم الدائم، حتى ولو بذلت الكثير لهم، فالمتدربون أمانة، وتطويرهم واجب ووفاء.
كن أنت من يوقظ فيهم حُب العلم… لا رهبة الامتحان.
كن أنت من يجعلهم يثقون أن الخطأ ليس نهاية… بل بداية الفهم.
هكذا يصنع المدرّب الأثر، وهكذا تُبنى العقول وتُربى القلوب.
الحياة لا تمنح دروعًا لمن يجيب بشكل صحيح دائما، ولكنها تحتفي بمن يبدع، يتفانى، ويُزهر.
خبير التدريب المستشار
أ. إبراهيم بن عبدالله الشريف
مقالات سابقة للكاتب