يمثل ديوان «متوكئ حزني» للشاعر السعودي الدكتور يوسف حسن العارف تجسيدًا للتطور اللغوي الحادث في الشعر العربي عامة، وفي ديوانه خاصة؛ لأنه وظّف تقنيات فنية خاصة باللغة، فجال وطاف في ميادينها المقننة، وخرج أحيانًا عن القاعدة لتوظيف مفرداتها وتراكيبها من أجل خلق دلالة جديدة.
فلم تكن لغة الديوان المشار إليه لغة تقليدية نمطية، بل تجاوزت منطقها اللغوي المعتاد بغية إضافة حقيقية لجماليات الشعر العربي المعاصر.
ظل الشعر العربي محافظًا على القواعد الأصولية للغة حتى ظهور العصر العباسي، فراح النقاد يصنفون الشعراء إلى قديم ومحدث. ومن هنا نشأت الحداثة الشعرية في الشعر العربي، وبدأنا ندرك أهمية القول المحافظ على النمطية اللغوية، وغيره من أشعار المحدثين الذين نظروا إلى اللغة بوصفها وعاءً للغة العصر، والمعبرة عن تطلعات الكبار والصغار، الحكام والملوك والخدم ورعاة الغنم.
وأدرك الوعي الشعري قول بشار لربّة البيت، وأن معجمها يتجاوب مع قوله:
رَبابةُ ربّةُ البيتِ
تصبُّ الخلَّ في الزيتِ
لها عشرُ دجاجاتٍ
وديكٌ حسنُ الصوتِ
هذه الأبيات الشعرية السائرة هي للشاعر العباسي الأعمى بشار بن برد (69-168هـ)، قالها مداعبةً لخادمته «ربابة» التي طلبت منه أن يصفها في شعره، فجاءت الأبيات على بحر الهزج. وقد وصفها الشاعر ببساطة وطرافة كنوع من المداعبة، حيث كانت خادمة معدمة تخدمه. وأصبحت هذه الأبيات تُضرب مثالًا على السهل الممتنع، أو تُذكر في سياق الطرائف الأدبية.
ولو تأملنا العنوان بوصفه عتبة نصية أولى، لوجدنا أن المساحة البصرية للغلاف تتمركز في لونين اثنين، وبينهما لون ثالث. فالألوان هي: غبش النهار في بزوغه وولادته، واللون الأسود المتدرج بين القتامة والشفافية، وبينهما بطبيعة الحال اللون الرمادي الذي ينمّ عن عدم الميل إلى أحد اللونين الرئيسين.
ويتوسط الصفحة عنوان نصي عريض «متوكئ حزني». وبقراءة سريعة لمستويات دلالة العنوان النصي نجد أنها تنحصر في ثلاثة مستويات:
المستوى الصوتي – المستوى التركيبي – المستوى الدلالي.
ففي المستوى الصوتي نلاحظ أن حروف التركيب تميل إلى الجهر لا الهمس، والجهر يعني أن الشاعر ضجر من الشكوى التي أقلقت ضميره فجنح إلى الحزن. وما أكثر أسباب الحزن وعلله، فالحياة مليئة بكل ما قد يكون سببًا مباشرًا أو غير مباشر للحزن.
وعلى المستوى التركيبي فإن التركيب الاسمي يختلف عن التركيب الفعلي. ولعلنا نلاحظ أن كلمة متوكئ، بوصفها اسم فاعل للتعبير عن الفعل، أعمق وأدل من التعبير بالفعل نفسه؛ لأنها تحمل معنى المبالغة والعمق. وهو تركيب اسمي، أي جملة اسمية متكاملة الأركان؛ لأن كلمة متوكئ خبر لمبتدأ محذوف. وقد تصدر الخبر الجملة للدلالة على أهميته وبروزه بشكل لافت، وهذا التركيب يدل على الاستمرارية وتجدد الحدوث.
أما المستوى الدلالي فيمكننا قراءة العنوان بطريقة مروحية أو ترددية؛ إذ إن قراءة العنوان من الغلاف إلى المضمون هي نفسها قراءة العنوان من المضمون إلى الغلاف. فكل قصائد الديوان تحمل في طياتها حزنًا دفينًا ذا نبرة عالية قوية. فقد قسم الشاعر قصائد الديوان إلى:
أولًا: للحزن مدارات ومدونات
ثانيًا: عطور تضيء الفؤاد الحزين
ثالثًا: صباح تلبد بالحزن الأليم
فكلمة الحزن شريك مشترك في كل هذه العناوين، ومنصوص عليها نصًا صريحًا.
لكن، طالما أن الحزن تيمة الديوان برمته، فكيف للشاعر أن يتجاهل قصيدة الحزن للشاعر صلاح عبد الصبور؟ فحزن عبد الصبور له فلسفة عميقة؛ إذ يقول عن حزنه: «لست شاعرًا حزينًا، لكني شاعر متألم»، وذلك لأن الكون لا يعجبه؛ لأنه يحمل بين جوانحه، كما قال شيلي، شهوة لإصلاح العالم. وإن شهوة إصلاح العالم هي القوة الدافعة في حياة الفيلسوف والنبي والشاعر؛ لأن كلًا منهم يرى النقص، فلا يحاول أن يخدع عنه نفسه، بل يجتهد في أن يرى وسيلة لإصلاحه.
عبد الصبور أولى من تشان شيان الشاعر الصيني الذي استعان به الشاعر في بداية ديوانه، كما أنه أولى من الاستشهاد بالشاعر الكردي لاوين شيخو؛ نظرًا لعمق شعر عبد الصبور، وأنه يمثل البيئة العربية في أحزانها وشكواها.
في ديوان الدكتور يوسف العارف تجربة شعرية متطورة بشكل لافت؛ فاللغة عنده انتقلت من الفخامة عند القدماء إلى السهولة واليسر، حيث غدت سهلة التناول للقارئ وقريبة من الحياة اليومية للواقع المعيش.
حملت لغة الشاعر الدكتور يوسف العارف خيالًا كليًا مركبًا، تلاحمت فيه الأفكار وتنوعت، كما لجأ أحيانًا إلى أسلوب بسيط عميق في آن واحد، حمل معنى السخرية في طرح أفكاره.
تأملت قصائد الديوان برمته، ووقفت عند قصيدة «أنت.. وهم» في منتصف الديوان، وأجريت عليها جهاز النقد العملي، فوجدت أنها قصيدة يمكن أن تكون معيارًا لتقييم العمل الشعري في الديوان؛ لأنه جمع فيها أشياء جديدة طريفة سوف نلقي عليها الضوء لاكتشاف اللغة المتطورة لديه.
يقول:
من قال..
إن الليل يوشك فك مغاليقه،
الساكنات لجة بحره،
أسودًا كان، أو لون الرماد،
أو أي لون يحتفي بمرارة المذاق الليلكي،
حتى يفيء الصباح.
يستحضر الشاعر بيت امرئ القيس:
وليلٍ كموج البحر أرخى سدوله
عليَّ بأنواع الهموم ليبتلي
وهنا أنا لا أقارن بين شاعرين بقدر ما أوضح تأثر الشاعر المحدث بالشاعر القديم، على سبيل امتصاص المدلول الدلالي لامرئ القيس؛ فالشاعر يتجاوب مع ثلاث كلمات دالة: الليل – البحر – الصباح.
ليل امرئ القيس كموج البحر، أي متتابع ومستمر، لكنه أيضًا متدرج. وهو المعنى نفسه عند د. العارف في الفعل يوشك، وتدرج الألوان من الغبش بعد مغيب الشمس إلى لحظات السحر والإشراق؛ لذا مال إلى الألوان الواضحة الجلية من الأسود إلى الرماد إلى أي لون، حتى يفيء الصباح بنوره.
ولأن ليل د. العارف مرّ المذاق، فقد وظف الشاعر حواسه المتصارعة والمتداخلة بطريقة غير عشوائية بل منظمة، فيما يسمى بتراسل الحواس؛ فـ«مرارة المذاق الليلكي» تجمع بين حاستي التذوق والشم أو الرؤية البصرية لنبات الليلك.
وهي صورة مركبة تشي بالعوالم النفسية للشاعر من تصارع وتضارب الأفكار، والهم الذي يشغل القلب ويمنع النوم.
ويبدو أن الشاعر مولع بهذا النسق المتداخل لتراسل الحواس، فقال بعد عدة أسطر:
إن غمامًا أو سحابًا
أو نجومًا كاسفات
أو شموسًا حامضة
أو بعض هاتيك الكواكب
إذ مسها الليل ذات مساء كئيب…
نلاحظ قوله «شموسًا حامضة»، وهي صورة تجمع بين الرؤية البصرية والتذوق الحامض، لإعطاء تخيل قاتم كئيب لبزوغ الشمس.
ولم تكن تلك الصور وحدها اللافتة، بل هناك أكثر من صورة لغوية لافتة، مثل قوله:
«عصا موسى ستحييه بعد عامات مائة».
فهي صورة قائمة على كسر رتابة اللغة النمطية ذات القواعد اللغوية الصحيحة؛ فمعلوم أن العام تجمع على أعوام، لكن الشاعر لجأ إلى جمع غير معتاد، فجمعها على عامات، مجاراة لشعراء الحداثة الشعرية بوصفها اختيارًا أسلوبيًا لا خضوعًا للقياس النحوي الصارم.
فقد سبقه محمود درويش في قوله:
عامات تمر ولا يشيخ الحنين..
وسبقه أيضًا أدونيس في قوله:
عامات تكدست فوق كتفي كالحجارة.
فعامات هنا تستخدم حين يراد زمن نفسي ثقيل متراكم، أو الإيحاء بالرتابة والامتداد القهري.
ومن مظاهر التطور اللغوي أيضًا إحياء اللغة القديمة؛ إذ جاز للشاعر إدخال (أل) على الفعل الماضي، كما في قوله:
ربما تصل الجزر
ال كانت تنشي باخضرار المواقيت
والسنين الباذخة…
فقد أُدخلت (أل) بمعنى التي على الفعل كانت، وهو أمر كان شائعًا في العربية القديمة.
كما لم تخلُ لغة الشاعر من توظيف ألفاظ حديثة بحكم العصر، مثل قوله:
لا تسامح..
وإن غمروا بركة الماء بالماء
وإن تركوا الشيك مفتوحًا لتملأه..
فكلمة الشيك كلمة حديثة معاصرة، وظفها الشاعر في سياق شعري عربي لما تحمله من إيحاء ودلالة.
هذا، ولم تخلُ لغة الشاعر من بعض الهنات الطباعية، مثل قوله:
«فتىً معتلَّ القلب» والصواب معتلُّ القلب،
وقوله: «ودلالاتَ الشوق» والصواب ودلالاتِ الشوق.
ومن تتمة القول لا بد أن نشير إلى بروز شخصية الشاعر أمل دنقل بشكل لافت عبر ثنايا النص العارفي. فأمل دنقل، شاعر الرفض والتمرد، حاضر بقوة في قصيدة «أنت وهم».
إذ يتضح تناص الشاعر العارف مع أمل دنقل في قوله:
لا تسامحهم..
إن كفًا تنوء بكف مثلها سوف تنوء بنفسها.
وهو ترديد واضح لروح قصيدة «لا تصالح» لأمل دنقل التي يقول فيها:
لا تصالح على الدم حتى بدم
لا تصالح ولو قيل رأس برأس
أكل الرؤوس سواء؟


مقالات سابقة للكاتب