ما أعجب هذا العصر!
تفتح هاتفك في لحظة واحدة، فتنتقل بين مئات المقاطع، والرسائل، والصور، والأخبار، والكلمات… حتى أصبح الهاتف رفيق الإنسان في يقظته، وربما في خلوته، بل وفي مواسم عبادته.
ومع دخول عشر ذي الحجة يبرز سؤال مهم ينبغي أن يراجعه كل مسلم مع نفسه:
هل تحولت منصات التواصل في هذه الأيام إلى أبواب دعوة وذكر، أم أصبحت منافذ غفلة تسرق أعمارنا وأجورنا؟
إن المشكلة ليست في الوسائل ذاتها؛ فهذه المنصات يمكن أن تكون من أعظم أبواب الخير إذا استُعملت في طاعة الله، وقد تكون من أخطر أبواب الغفلة إذا تحولت إلى مستنقعٍ لتضييع الأوقات وإفساد القلوب.
وفي عشر ذي الحجة تتأكد هذه المعاني أكثر؛ لأن المسلم يعيش موسمًا عظيمًا تضاعف فيه الحسنات، وترتفع فيه الدرجات، وتُفتح فيه أبواب القربات.
ومن المؤلم أن بعض الناس يدخل عليه هذا الموسم المبارك، ثم يقضي ساعات طويلة يتنقل بين المقاطع العابرة، والمشاهد المكررة، والجدالات المستهلكة، حتى تمضي عليه الأيام الفاضلة دون أن يشعر!
كم من مسلم كان يستطيع في ساعةٍ واحدة:
* أن يختم جزءًا من القرآن،
* أو يملأ صحيفته بالتهليل والتكبير،
* أو يتصدق،
* أو يصل رحمه،
* أو يراجع قلبه مع الله…
ثم ذهبت تلك الساعة في تمريرٍ لا ينتهي بين الشاشات!
إن الخطر الحقيقي لمنصات التواصل ليس فقط في ضياع الوقت، بل في تبلّد القلب؛ فالقلب الذي خُلق ليتعلق بالله قد يعتاد الضجيج المستمر، والتنقل السريع، والتشتت الدائم، حتى يصبح عاجزًا عن الخشوع، أو طول المكث مع القرآن، أو حضور القلب في الذكر.
ولهذا فإن من أعظم الغنائم في عشر ذي الحجة أن يستعيد المسلم زمام وقته وقلبه.
وليس المطلوب أن يعتزل الإنسان التقنية اعتزالًا كاملًا، فهذا قد لا يكون ممكنًا، لكن المطلوب أن تتحول هذه الوسائل من أدوات استنزاف إلى وسائل نفع وهداية.
فما أجمل أن تصبح منصات التواصل في هذه الأيام:
* منابر للتكبير والتهليل،
* ووسائل لتذكير الناس بفضائل العشر،
* ونوافذ لنشر القرآن والذكر،
* وأبوابًا لبث المعاني الإيمانية والكلمات الصادقة.
فرب مقطع قصير يوقظ قلبًا غافلًا، ورب كلمة صادقة يكتب الله بها هداية إنسان، ورب منشور عن فضل التكبير يكون سببًا في إحياء شعيرة من شعائر الإسلام.
إن المسلم الموفّق لا يسأل فقط: ماذا أستفيد من هذه المنصات؟
بل يسأل أيضًا: ماذا أقدّم فيها لله؟
وفي المقابل، ينبغي أن يحذر المسلم في هذه الأيام من آفاتٍ خطيرة تنتشر في فضاء التواصل:
* استعراض الأعمال والطاعات.
* الانشغال بالتصوير أكثر من العبادة.
* تحويل المواسم الإيمانية إلى محتوى للاستهلاك والمتابعة.
* الجدل العقيم والخصومات.
* وإدمان التصفح الذي يسرق القلب والوقت.
فكم من إنسان حضر بجسده في موسم الطاعة، لكن قلبه كان أسير الشاشة!
إن عشر ذي الحجة أعظم من أن تُستهلك في متابعة كل جديد، وأغلى من أن تضيع بين الإشعارات والتنقلات التي لا تنتهي.
هذه الأيام تجارة مع الله، والعاقل هو من يعرف قيمة الموسم قبل رحيله.
فاجعل لهاتفك نصيبًا من الطاعة لا من الغفلة:
* انشر تكبيرة.
* ذكّر بحديث.
* ابعث آية.
* أيقظ قلبًا.
* دلّ على خير.
واجعل لنفسك أوقاتًا تُغلق فيها أبواب العالم، وتفتح فيها بابك مع الله؛ فالقلوب لا تحيا بكثرة التصفح، وإنما تحيا بالقرب من الله.
وفي النهاية…
ستبقى هذه الأيام شاهدًا لك أو عليك، وستُطوى الساعات سريعًا، ولن يبقى في صحيفتك إلا ما كان لله.
فاختر لنفسك:
هل تكون منصات التواصل في العشر باب دعوةٍ وأجر، أم باب غفلةٍ وحسرة؟
أ.د. مشعل بن حميد اللهيبي
أستاذ الحديث وعلومه بقسم الكتاب والسنة بكلية الدعوة وأصول الدين بجامعة أم القرى
مقالات سابقة للكاتب