الرَّقْص على أنغام الرفيحي!

تمضي حياتنا، بينما نحاول الركض في ممراتها، دون أن نُدرك أن ركْضنا يُنْقص عدد أيامها، في الوقت الذي نحاول أن نُمسك بكل تفاصيلها اللذيذة، لكنها تُمانع في خضوعها لرغباتنا الدفينة في الابقاء على تلك اللحظات، فلا تلبث أن تتملَّص بين أيدي أمانينا، وتنفذ من بين شقوق الفراغ الذي يسكن أصابع لهفتنا في استمرار الحياة على نغمة البهجة والسعادة، والرقص على ألحان الخبيتي، ومطاوعة النفس على الطرب مع ضرب الدفوف، والميل مع هوى الروح على دقّ الزير،ومعانقة نوافذ سماء أحلامك مع فتنة الرفيحي؛ فتتوقف متسمراً وسط هذا الحشد المملوء بالغناء، قابضاً عليك غول همك، وشبح غمك؛ فيأخذانك إلى قبر سحيقٍ لتواري فيه سوأة ما سكن قلبك من حزنٍ وألم.
وعلى الرغم من كل هذه الأماني العذاب التي تملأ الروح، إلَّا أنك تشعر أن الحياة
تطفئك ببطء، وأن لا شيء يمضي كما تريد، وأن كل باب يُغلق في وجهك، وكل لحظة تبتلع طاقتك دون رحمة.
تشعر أنك تمشي بجسدك فقط، بينما قلبك يزحف خلفك مثقلاً بما لا تستطيع البوح به، وأنك وحدك في معركة لم تختر خوضها،وأنك أتيت لحياةٍ لتسعد بها، لكنك وجدت نفسك تشقى بها، وكأن حظك منها ظلٌّ اختبأ عن موعد الروح.
ومع كل هذا التعب والنَّصَب الذي يصيب الروح، إلَّا أن هناك ثَمَّةَ نور يتسلل إلى تجاويف الروح؛ ليعرج بها إلى سموات الرحمة والمغفرة، ويرتقي بها نحو دعوات موقنة بالإجابة وحسن الظن بربها.
ولعلَّ سبيلنا في بلوغ ذلك الالتجاء إلى الله، ومداومة الاستغفار والذكر، فذلك طريق الصالحين لبلوغ مرادهم، وهداية الذاكرين للوصول إلى مبتغاهم.
وهذا السبيل الروحي يمنح صاحبه السكينة والطمأنينة والرضا بقضاء الله وقدره، ويجعله يعي أن ما أصابه قد أصاب قبله خير الناس وصفوة الخلق رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم في عام الحزن، يوم فقد عمَّهُ أبو طالب وزوجته خديجة بنت خويلد رضي الله عنها.
هذا التأمل العميق يجعلنا نؤمن برحمة الله التي وسعت كل شيء، وأنه مهما طالت سود الليالي؛ ستشرق يوماً لتزيح عن كاهل أيامنا ذلك السواد، وأن السجين سيخرج، والمريض سيشفى، والغائب سيعود، والحزين سيفرح، والكرب سيزول، وأن ابتلاء المؤمن كله خير، وأن التوقعات التي نمدُّ جسورها على حسن الظن بالله لا تخيب أبداً. يقول ابن القيم رحمه الله:
“في القلب شغف، لا يلمّه إلا الإقبال على الله.
وفيه وحشة، لا يزيلها إلا الأنس به في خلوته.
وفيه حزن، لا يذهبه إلا السرور بمعرفته، وصدق معاملته.
وفيه قلق،لا يسكنه إلا الاجتماع عليه، والفرار منه إليه.
وفيه نيران حسراتٍ، لا يطفئها إلا الرضا بأمره ونهيه، وقضائه، ومعانقة الصبر على ذلك إلى وقت لقائه”
‏سُئل العقاد وهو في السبعين، هل ما زلت تحب الحياة اليوم كما كنت تحبها بالأمس؟ فأجاب:
“لم يتغير حبي للحياة. ولم تنقص رغبتي في طيباتها، ولكنني اكتسبت صبراً على ترك ما لا بد من تركه، وعلماً بما يفيد من السعي في تحصيل المطالب وما لا يفيد. وزادت حماستي الآن لما أعتقد من الآراء، وتقصّت وحدتي في المخاصمة عليها، لقلة المبالاة بإقناع من لا يذعن للرأي والدليل.
وارتفع عندي مقياس الجمال، فما كان يعجبني قبل عشر سنين، لا يعجبني الآن، فلست أشتهي منه أكثر مما أطيق.
كنت أحب الحياة كعشيقة تخدعني بزِينتها الكاذبة وزينتها الصادقة؛ فأصبحت أحبها كزوجة أعرف عيوبها، وتعرف عيوبي،لا أجهل ما تبديه من زينة وما تخفيه من قبح ودمامة، إنه حب مبني على تعرف وفهم”
إننا إن نجحنا في توثيق صلتنا بالله عزَّ وجل، وتقبلنا الحياة كما هي، لا كما نريد؛ نستطيع أن نتجاوز العقبات التي تعترض طريقنا، وبالتالي تصبح الحياة أخف حين نتذكر الأيام التي ظننا أنها لن تمر وقد مرّتْ بلطف الله ورحمته.
ويمكن لنا بلوغ مرحلة روحية جديدة لم نعهدها في أنفسنا من قبل؛ حينما ندرك أنه أكبر من البكاء والتباكي على حالنا، رؤية أحدهم يبكي.

سليمان مُسْلِم البلادي
solimanalbiladi@

الحلقات السابقة من روشتة وعي

4 تعليق على “الرَّقْص على أنغام الرفيحي!

نويفعه الصحفي

مقال يحمل في طيّاته تأملًا عميقًا في مشهد الحياة، وكأن الكاتب ينظر من خلف كواليس العمر، لا من فوق خشبته فقط.
مزجٌ راقٍ بين الأدب والفكر، وبين الشعور والإيمان، صوّر الحياة كمسرحية قد كُتبت فصولها بقدرٍ لا نملك تغييره، لكننا نملك كيف نؤديه.
كذلك لفتني في هذا المقال أن الكاتب لم يتركنا في حيرة النصّ أو غموض القدر، بل أخذ بيد القارئ إلى النور الحقيقي: مراقبة الله.
تلك البوصلة التي تعيد لكل مشهد قيمته، ولكل خطوة معناها، وتُلبس حتى الألم ثوبًا من الحكمة والرضا.
نصّ ليس مجرد تأمل… بل دعوة هادئة لأن نعيش بوعي، وأن نُجيد أدوارنا، لا طلبًا لتصفيق الناس، بل رجاءً لنظر الرحمن.
…ويبقى الأثر
فما دام العمر مشهدًا يمر، والقدر يمضي دون استئذان،
فلنحرص أن نؤدي أدوارنا بصدق القلوب، ونقاء النوايا،
وأن تكون أعيننا معلّقة بمن لا يغيب،
نراقب الله في السرّ والعلن،
فمن راقب الله، زانَت حياته، وسلِم ختامه.
وافر الشكر لكم مستشار سليمان

عبدالعزيز بن مبروك الصحفي

هذا الطرح الرائع ينبئك كيف تكون جاذبة ومفيدة عندما تتحول إلى دقات قلب منتظمة تشعر القاريء بالإرتياح والطمأنينة لأنها فتحت بصيص نور في داخله وكأنها تقول له لابد لليل من آخر ولابد للنهار من طلوع. وكأنها تذكره بقوله تعالى (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا).
سلمت يا أستاذ سليمان وبارك الله فيك ونفعك ونفع بعلمك.

سليمان مُسْلِم البلادي

“مزجٌ راقٍ بين الأدب والفكر، وبين الشعور والإيمان، صوّر الحياة كمسرحية قد كُتبت فصولها بقدرٍ لا نملك تغييره، لكننا نملك كيف نؤديه”
قراءة واعية،وتدبُّر كثيف الدلالة،وسبْرٌ لأغوار المعنى،وعباراتٌ أنيقة المبنى.
وافر الشكر والتقدير أستاذة نويفعه

سليمان مُسْلِم البلادي

وافر الشكر والتقدير دكتور عبدالعزيز
نتلهف لقراءة مقالاتك الجميلة
نفع الله بك وبعلمك ، وزادك الله فضلاً ورفعةً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *