شاهي من غير نعناع!

الممثل المصري نجاح الموجي قال في أحد مشاهد فيلم “المساطيل” ١٩٩١م:
‏”أنت هتفضل تكتم في قلبك؛ لحد ما تلاقي نفسك بتعيط؛ عشان حد عملك الشاي من غير نعناع”
أصبح الكثير يعتقد بأن الكتمان هو الخيار الأمثل لعيش حياة هادئة بعيدة عن أعين من يرون أن المشكلات المتعلقة بهم ليست سوى أمور عادية يمكن لأي شخص المرور بها دون عناء وشكوى.
والكتمان حالة من الحالات النفسية التي تصيب الإنسان؛ حيث يعاني الأفراد المتأثرين بهذا المرض من تجارب داخلية معقدة؛ حيث يعيشون في عالم من الصمت القاتم الذي يفصلهم عن الآخرين.
إن المصاب بالكتمان تجعله يظن أنه لا يستطيع البوح بمشاعره، أو الإفصاح عنها بسبب العديد من الأمور، من بينها خوفه من عدم تقدير من حوله لمشاعره، أو ظناً منه بأن مشاعره ليست مهمة بالنسبة للأشخاص المحيطين به، أو أنه نشأ في بيئة لم تسمح له بالإفصاح عن آرائه ومعتقداته ومشاعره طيلة الوقت؛مما جعله يلجأ إلي الكتمان؛ وأصبح أسلوباً من أساليب حياته، ولا يستطيع الإستغناء عنها أو تغييرها.
ويمكن التعرُّف على أهم علامات الكتمان، من خلال إصابة الشخص بنوبات متتالية من الإرهاق اليومي دون أي سبب صحي، ورغبته في الإنعزال الدائم عن الجميع، بالإضافة إلى عدم الارتياح الداخلي أثناء الجلوس في تجمُّع عائلي، أو مع الأصدقاء، والشعور بالغربة، وفقدان الشغف، والنظرة التشاؤمية نحو الحياة، وفقدان معنى الإحساس بحدوث الأشياء السعيدة، ومقابلة جميع الأمور بهدوء شديد، والضعف الشديد في القدرة على التحدث مع الأشخاص المحيطين به والتأقلم معهم.
ومن الأعراض الواضحة للكتمان في علم النفس، أن الشخص الكتوم لا يمكنه أن يكون سوياً في معاملاته؛ حيث يلاحظ أنه يتحدث طيلة الوقت عن الأخلاق والمبادئ الدينية، ثم لا يلبث أن ينساها أثناء تعامله مع من حوله.
ويمكن معالجة الكتمان، عبر التعبير عن المشاعر بطريقة صحية (الكلام مع صديق موثوق، الكتابة، الرسم، العلاج النفسي)، ومحاولة تعلُّم مهارات التواصل العاطفي، والبحث عن بيئة آمنة للتعبير عن الذات.
إننا إنْ لم نسارع في معالجة الكتمان بالطريقة العلمية؛ سنجد أنفسنا ننفجر فجاءةً في التوقيت الخطأ، بالطريقة الخاطئة، مع شخص يمكن لا يكون له ذنب، سوى أن القدر جعله في طريق ثوران بركان الغضب الذي بداخلنا.
إن الإنسان يسقط أمام متراكمات الألم، وليس أمام لحظة الألم؛ ومن هنا جاءت الحاجة المُلحّة لمعالجة الكتمان؛ حيث يُشكل الكتمان تحدياً نفسياً واجتماعياً كبيراً يستدعي التفهُّم والرعاية.

سليمان مُسْلِم البلادي
solimanalbiladi@

الحلقات السابقة من روشتة وعي

6 تعليق على “شاهي من غير نعناع!

ابراهيم ابو معاذ

يعجبني اختيارتك
فهي تفتح أفاق الفكر وتبعث التفكر
ولكن ثمة تساؤل ألا يكون الكتمان مهارة وحكمة في حالات كثيرة
وهل اذا مارسنا الكتمان في بعض مجالات حياتنا سنعيش حالة مرضية بسببه أم راحة نفسية وتحقيق أهداف بعيدا عن ضوضاء السلبيين

أحمد بن مهنا الصحفي

الأمور مختلفة والتصرفات الحكيمة هي اختيار المناسب منها لكل أمر … فليس الكتمان دائما وليس الإعلان دائما …
فقد جاء الكتمان والإعلان في أمور شرعية كالصدقة ، أحبانا إعلانها أفضل من كتمانها مع أن الكتمان أفضل ، وهكذا حياتنا ، المتوازنة التي لاتحمل النفس فوق طاقتها ولا تعفيها من تحمل مسؤوليتها ، تكون هي الأسعد ..
وفعلا بعض الناس يعيش في الظاهر مالايعيشه في داخله فهو مريض بسبب ذلك ، وقد حمل نفسه أن تعيش شخصيتين خفية وأخرى معلنة مختلفة عنها …

شكرا لطرحك الراقي أ. سليمان
تحرك الفكر في كل النواحي وتتجاوز به الآفاق .

سليمان مُسْلِم البلادي

ا.إبراهيم أبو معاذ
الكتمان حسب الموقف ومتطلباته.
المقال ذهب إلى الكتمان المرضي الذي قد يعصف بهدوء حياتنا.
لك كل التحايا والعرفان.

سليمان مُسْلِم البلادي

ا.أحمد بن مهنا الصحفي
تفصيل مميز لحالات الكتمان
وافر الشكر والتقدير أستاذ أحمد

عبدالعزيز بن مبروك الصحفي

مقال رائع يدعو إلى التأمل في التقلبات النفسية التي يمر بها الإنسان في حياته، ويوضح الطريقة التي يجب التعامل فيها مع الظروف المتغيرة.
زادك الله علمًا ونفعًا يا أستاذ سليمان.

سليمان مُسْلِم البلادي

وافر الشكر والتقدير دكتور عبدالعزيز الصحفي لتعقيبك الثري.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *