خلق الله عز وجل الناس في الدنيا درجات، وقد فاوت بين خلقه فيما أعطاهم من الأموال والأرزاق والعقول والفهوم، وغير ذلك من القوى الظاهرة والباطنة، ليسخر بعضهم بعضا في الأعمال، لاحتياج هذا إلى هذا، وهذا إلى هذا، ورحمة الله بخلقه خير لهم مما بأيديهم من الأموال ومتاع الحياة الدنيا .
الشفاعة الحسنة بالجاه والمكانة، بعيدة كل البعد عن الواسطة والمحسوبية المذمومة التي تولي وتعين من لا يستحق المكانة، إنما هي شفاعة حسنة على الخير والبر والتقوى والمعونة، والجاه والمكانة هما رزق مثل المال والعلم، وغيره يهبه الله لمن يشاء من عباده، ليبلوهم يستعملونه في مرضاته أم سخطه، وهو وسيلة من وسائل نفع الناس وبذل المعروف، وله زكاة كما أن للمال زكاة. وقد عبّر الحسن بن سهل عن ذلك أبلغ تعبير حين قال لمن شكره بعد أن قضى له حاجة: «علامَ تشكرنا، ونحن نرى أن للجاه زكاة، كما أن للمال زكاة».
فمن حُرم بذل جاهه للناس فقد بخل، ومن بخل بجاهه مع حاجتهم إليه، فكأنما كتم عنهم رزقًا ساقه الله إليه.
وإن الجاه الحق ليس ما يرفع المرء فوق الناس، بل ما يقربه إليهم، وليس ما يخفيه في حصون الكبر، بل ما يظهره في ميادين البر. فالمنصب وديعة، والوجاهة أمانة، ولا كرامة في أن يُقال: “فلان عظيم”، إنما الكرامة في أن يُقال: “فلان قضى حاجة، وأغاث ملهوفًا، وأدخل السرور على قلب ضعيف”. ذلك هو الجاه الذي يزكو، وتلك هي المكانة التي تبقى.
وكم من ضعيف أرهقته الحاجة، فمدّ عينيه إلى من آتاه الله جاهًا ومقامًا، يترقب منه كلمة يسيرة أو إشارة صغيرة، قد تفتح له باب رزق، أو تكشف عنه غمًا، أو ترد له حقًا. وكم من صاحب سلطان أو منصب لو شاء أن ينطق بكلمة، أو يرفع سماعة هاتف، أو يخط سطرًا على ورقة؛ لقضى حاجة، وأحيا قلبًا، وأدخل السرور على بيت كامل، غير أن الكبر قد يعقد لسانه، والعجب يمنع يده، فيموت المعروف، وهو في متناول القدرة، وتضيع الفرصة وهو لا يكلفه شيء.
إن الشفاعة الحسنة لا تُنقص من جاهٍ، ولا تُذهب من سلطانٍ، بل تزيد صاحبها رفعة عند الله، ومهابة في قلوب الخلق، فهي زكاة المنزلة، وصدقة المقام، كما يؤدى المال زكاة فيذهب خبثه ويزكو أثره. وما أبهى ذلك الذي يسخّر وجاهته، فيجعل منها جسرًا للضعفاء، وسندًا للمحرومين، وملاذًا للملهوفين، لا يردّ محتاجًا، ولا يخذل ملهوفًا، ولو لم يكن الأمر داخل سلطانه أو في نطاق مسؤوليته.
وعلى الضدّ من هؤلاء، قوم جعلوا جاههم نقمة على الناس، فاستعملوا شفاعتهم في الإضرار، أو في إقصاء أهل الكفاءة، أو في نصرة الباطل، فما زادهم ذلك إلا خزيًا في الدنيا وإثماً في الآخرة. وقد قال تعالى كلمة الفصل: ﴿من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها وكان الله على كل شيء مقيتًا﴾ [النساء: 85]. قال ابن كثير: من سعى في أمر ، فترتب عليه خير ، كان له نصيب من ذلك، ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها أي : يكون عليه وزر من ذلك الأمر الذي ترتب على سعيه ونيته.
وإن الحياة لا تستقيم إلا بالتكافل، ولا ينهض المجتمع إلا إذا كان بعضه لبعض عونًا وسندًا. فالمسلم لا يعيش في عزلة، ولا يستغني عن أخيه، بل حاجات الناس متبادلة، كلٌّ يقضي عن الآخر، ويكمل نقصه، ويواسي ضعفه. قال ﷺ: «لا تحقرن من المعروف شيئاً، ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق» [رواه مسلم].
فالشفاعة الحسنة من أعظم أبواب المعروف، بل هي ذروة من ذُرى البذل، إذ يسعى المرء بجاهه ومكانته لنفع غيره، ويجعل نفوذه جسراً للخير، لا حجاباً للضعفاء.
وإن للشفاعة الحسنة في الإسلام منزلة عظيمة، حيث قال ﷺ: «اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان نبيه ما شاء» [متفق عليه].
وقال: «المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته» [رواه البخاري ومسلم].
وقال أيضًا: «من نفّس عن مسلم كربة من كرب الدنيا، نفّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة» [رواه مسلم].
أحبُّ الناسِ إلى اللهِ أنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ، وأحبُّ الأعمالِ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ سُرُورٌ يدْخِلُهُ على مسلمٍ، أوْ يكْشِفُ عنهُ كُرْبَةً، أوْ يقْضِي عنهُ دَيْنًا، أوْ تَطْرُدُ عنهُ جُوعًا، ولأنْ أَمْشِيَ مع أَخٍ لي في حاجَةٍ أحبُّ إِلَيَّ من أنْ أعْتَكِفَ في هذا المسجدِ -يعني: مسجدَ المدينةِ- شهرًا، و مَنْ كَفَّ غضبَهُ سترَ اللهُ عَوْرَتَهُ، ومَنْ كَظَمَ غَيْظَهُ و لَوْ شاءَ أنْ يُمْضِيَهُ أَمْضَاهُ مَلأَ اللهُ قلبَهُ رَجَاءً يومَ القيامةِ، ومَنْ مَشَى مع أَخِيهِ في حاجَةٍ حتى تتَهَيَّأَ لهُ أَثْبَتَ اللهُ قَدَمَهُ يومَ تَزُولُ الأَقْدَامِ، [و إِنَّ سُوءَ الخُلُقِ يُفْسِدُ العَمَلَ، كما يُفْسِدُ الخَلُّ العَسَلَ]
وقال طاووس” إذا أنعم الله على عبد نعمة ثم جعل إليه حوائج الناس فإن احتمل وصبر وإلا عرض تلك النعمة للزوال “.
وقال عبدان المروزي: “ما سألني أحد حاجة إلا قمت له بنفسي، فإن تمت وإلا قمت له بمالي، فإن تمت وإلا استعنت بالإخوان، فإن تمت وإلا استعنت بالسلطان”.
وقال الضحاك في قوله في قصة يوسف (إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) كان إحسانه إذا مرض رجل بالسجن قام عليه، وإذا ضاق عليه المكان وسع له، وإذا احتاج إلى جمع مال سأل له.
كان نبينا صلى الله عليه وسلم يقضي الحوائج حتى أرهقه التعب فكان يصلي قاعدًا تقول عائشة بعدما “حَطَمَهُ الناس” أي بكثرة حوائجهم، وكما شفع لمغيث عند زوجته بريرة، بل حتى الحيوان لما رأى الجمل حينما ذرفت عيناه قال: “من رب هذا الجمل؟ لمن هذا الجمل؟” فجاء فتى من الأنصار فقال: “أفلا تتقي اللهَ في هذه البهيمة التي مَلَّكَكَ اللهُ إياها؟ فإنه شكى إليَّ أنك تُجيعه”.
فهذه النصوص تؤكد أن بذل الجاه في قضاء حوائج الناس ليس فضلًا يُمنح، بل عبادة وقربة يثاب عليها المؤمن، سواء قُبلت شفاعته أو رُدّت، ما دامت نيته خالصة.
المنصب تكليف لا تشريف، والأمانة فيه عظيمة، وخطر خيانته أعظم. قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون﴾ [الأنفال: 27].
وقال ﷺ: «اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فشقّ عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم فارفق به» [رواه مسلم].
فمن استغل جاهه لظلم، أو شفع في باطل، أو قدّم غير المؤهل على المستحق، فقد خان الأمانة، وجعل جاهه وبالًا عليه.
وبذل الجاه في المجتمع له أثر عظيم إذ يبني الثقة بين الناس: فيعلمون أن صاحب المنصب سند، لا سيف مسلط.
ويغرس روح الشهامة: كما كان العرب في جاهليتهم يعدّون إجارة المستجير من مروءة الرجال، فكيف بالمؤمنين وقد جعلها الشرع عبادة.
ويقي من الفساد: حين يعلم المسؤول أنه محاسب أمام الله، يحذر من المحاباة، ويجعل شفاعته دائمًا في إطار الحق والعدل.
إن الشفاعة الحسنة بالمكانة، وبذل الجاه في حوائج الناس، ليست مسألة اختيارية، بل أمانة ومسؤولية. والناس اليوم بأمسّ الحاجة إلى من يجعل منصبه جسراً لا سورًا، رحمة لا نقمة، عونًا لا عبئًا.
فالمنصب زائل، والجاه فانٍ، وما يبقى هو الأثر: هل كان وجيهًا عند الناس فصار وجيهاً عند الله، أم أضاع جاهه في الباطل فصار عليه حسرة وندامة؟
وإذا امرؤٌ أهدى إليك صنيعةً من جاهه فكأنًّها من ماله.
نزار عبدالخالق
مقالات سابقة للكاتب