تَأَمُّلَاتٌ فِي “إِتِيكِيتِ” الْمُنَاسَبَاتِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ
إِنَّ الْمُتَأَمِّلَ فِي تَفَاصِيلِ حَيَاتِنَا الِاجْتِمَاعِيَّةِ يَجِدُ أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ “السُّلُوكِ” وَ”الْعَادَةِ” خَيْطٌ رَفِيعٌ؛ فَالسُّلُوكُ قَدْ يَكُونُ عَارِضًا، أَمَّا الْعَادَةُ فَهِيَ ذَاكَ الْفِعْلُ الْمُلَازِمُ لِلشَّخْصِ حَتَّى يَغْدُوُ جُزْءًا مِنْ هُوِيَّتِهِ. وَمِنْ هُنَا، تَبْرُزُ أَهَمِّيَّةُ تَهْذِيبِ السُّلُوكِ؛ إِذْ إِنَّ إِغْفَالَ التَّفَاصِيلِ الصَّغِيرَةِ فِي التَّعَامُلِ مَعَ الْآخَرِينَ قَدْ يُحَوِّلُ التَّصَرُّفَاتِ الْعَابِرَةَ إِلَى عَادَاتٍ مَقِيتَةٍ تَنْبِذُهَا الْمُجْتَمَعَاتُ الرَّاقِيَةُ وَتَخْدِشُ وَقَارَ صَاحِبِهَا.
إِنَّمَا الْأُمَمُ الْأَخْلَاقُ مَا بَقِيَتْ.. فَإِنْ هُمُ ذَهَبَتْ أَخْلَاقُهُمْ ذَهَبُوا
مِنْ وَاقِعِ الْمُشَاهَدَاتِ فِي مُنَاسَبَاتِنَا، رَصَدْنَا جُمْلَةً مِنَ الْمُلَاحَظَاتِ الَّتِي تَسْتَدْعِي تَضَافُرَ الْجُهُودِ لِتَقْوِيمِهَا، تَرْسِيخًا لِأَخْلَاقِنَا الرَّفِيعَةِ الَّتِي جُبِلَ عَلَيْهَا مُجْتَمَعُنَا:
أَدَبُ الِاسْتِجَابَةِ وَالْحُضُورِ
1. تَلَقِّي الدَّعْوَةِ: مِنْ أَبْجَدِيَّاتِ الذَّوْقِ الْعَامِّ عِنْدَ تَلَقِّي الدَّعْوَةِ؛ الْمُبَادَرَةُ بِقَبُولِهَا أَوْ الِاعْتِذَارِ عَنْهَا بِلَبَاقَةٍ؛ حَتَّى لَا يَقَعَ الْمُضِيفُ فِي حَرَجٍ مِنْ كَثْرَةٍ غَيْرِ مَحْسُوبَةٍ، أَوْ قِلَّةٍ تُفْضِي إِلَى هَدْرِ الطَّعَامِ.
2. خُصُوصِيَّةُ الدَّعْوَةِ: الدَّعْوَةُ شَخْصِيَّةٌ مَا لَمْ يُنَصَّ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ؛ فَمِنَ الْأَدَبِ أَنْ يُلَبِّيَ الْمَدْعُوُّ الدَّعْوَةَ بِمُفْرَدِهِ، وَلَا يَصْطَحِبَ مَعَهُ أَحَدًا دُونَ تَنْسِيقٍ مُسْبَقٍ؛ لِأَنَّ الِاجْتِهَادَ الْفَرْدِيَّ هُنَا يُرْبِكُ التَّرْتِيبَاتِ وَيُحْرِجُ الدَّاعِيَ.
3. الِالْتِزَامُ بِالْوَقْتِ: الْحُضُورُ الْمُتَأَخِّرُ بَعْدَ تَقْدِيمِ الْعَشَاءِ مَسْلَكٌ يُرْبِكُ نِظَامَ الْحَفْلِ، وَيَضَعُ الْمُضِيفَ فِي مَوْقِفٍ ضَيِّقٍ أَمَامَ ضُيُوفِهِ.
4. حُضُورُ الْأَطْفَالِ: اصْطِحَابُ الْأَطْفَالِ فِي الْمُنَاسَبَاتِ الرَّسْمِيَّةِ غَيْرِ الْعَائِلِيَّةِ أَمْرٌ غَيْرُ مُسْتَحْسَنٍ؛ فَلِكُلِّ مَقَامٍ مَقَالٌ، وَجَنَّةُ الْأَطْفَالِ مَنَازِلُهُمْ.
آدَابُ الْمَجْلِسِ وَالطَّعَامِ
5. الْإِنْصَاتُ وَالتَّوْقِيرُ: التَّحَدُّثُ وَعَدَمُ الْإِنْصَاتِ أَثْنَاءَ الْكَلِمَاتِ الْخِطَابِيَّةِ، أَوْ تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ، أَوْ عَقْدِ الْقِرَانِ؛ سُلُوكٌ يَتَنَافَى مَعَ الْوَقَارِ وَالْمَحْذُورَاتِ الشَّرْعِيَّةِ.
6. اقْتِحَامُ صَالَاتِ الطَّعَامِ: انْدِفَاعُ بَعْضِ الْحُضُورِ لِصَالَاتِ الطَّعَامِ قَبْلَ إِذْنِ الْمُضِيفِ مَظْهَرٌ غَيْرُ حَضَارِيٍّ، يَشِي بِشَرَاهَةٍ تَنْقُصُ مِنْ عِزَّةِ النَّفْسِ. وَكَأَنَّ لِسَانَ حَالِ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ يَقُولُ: “مَا حَضَرْتُ إِلَّا لِلْأَكْلِ”، وَهِيَ خَصْلَةٌ ذَمِيمَةٌ تَرْبَأُ عَنْهَا النُّفُوسُ الْكَرِيمَةُ.
7. تَوْزِيعُ الْمَقَاعِدِ: جُلُوسُ الْفَرْدِ بِمُفْرَدِهِ عَلَى طَاوِلَةٍ مَعَدَّةٍ لِمَجْمُوعَةٍ يُشَتِّتُ الضُّيُوفَ، وَيُظْهِرُ الْمُضِيفَ بِمَظْهَرِ الْمُقَصِّرِ. فَالْأَوْلَى اكْتِمَالُ الطَّاوِلَاتِ حِفْظًا لِلنِّظَامِ وَتَقْدِيرًا لِلنِّعْمَةِ.
8. آدَابُ الْبُوفِيهِ: فِي نِظَامِ “الْبُوفِيهِ”، يُعَدُّ التَّبَاطُؤُ الشَّدِيدُ فِي الِاخْتِيَارِ، أَوْ تَكْدِيسُ الْأَطْبَاقِ بِمَا يَفُوقُ الْحَاجَةَ، سُلُوكًا مَرْفُوضًا يُؤَدِّي إِلَى الْإِسْرَافِ وَمُخَالَفَةِ الذَّوْقِ الرَّفِيعِ.
خَاتِمَةٌ: إِنَّ تَمَسُّكَنَا بِهَذِهِ الْآدَابِ لَيْسَ مُجَرَّدَ “إِتِيكِيتٍ” مُسْتَوْرَدٍ، بَلْ هُوَ جَوْهَرُ مُرُوءَتِنَا الْعَرَبِيَّةِ وَقِيَمِنَا الْإِسْلَامِيَّةِ الَّتِي تَحُثُّ عَلَى تَقْدِيرِ الْمُضِيفِ وَإِكْرَامِ الْمَجْلِسِ. فَلْنُجْعَلْ مِنْ كُلِّ لِقَاءٍ فُرْصَةً لِتَعْزِيزِ هَذَا الرُّقِيِّ.
عميد متقاعد محمد بن عبدالله المنشاوي
رئيس مركز حي المسفلة التابع لجمعية مراكز الاحياء بمكة
مقالات سابقة للكاتب