التوقعات الصامتة!

تتشكل التوقعات الصامتة في أعماق النفس كما تتشكل الأمواج في قلب البحر قبل أن تراها العين.
إنها تنشأ بلا إعلان، وتتسلل إلى طرق تفكيرنا وسلوكنا، كأنها قوانين خفية تحكم علاقتنا بالآخرين من وراء حجاب.
هذه التوقعات لا نخبر بها أحداً، ولا نُدوّنها في كلمات، لكنها تظلّ هناك، تتحرك في الخلفية، تُراقِب، وتُصدر أحكامها في صمتٍّ ثقيل.
ولعلّ الإنسان، مهما بدا واضحاً في حديثه، يظل أكثر غموضاً فيما ينتظره من اهتمام.
فنحن نعتقد أن الآخرين يفهمون ما نحتاجه دون أن نتكلم، وأن قربهم منا يكفي ليقرأوا ما بين نبضاتنا، وما خلف ابتساماتنا، ونتوقع منهم أن يلتفتوا إلى ما لم نقله، وأن يفسروا صمتنا على نحو يشبه ظنّنا.
وعندما لا يحدث ذلك؛ نهتز كما لو أن خيبة صغيرة ارتطمت بعمقٍ لا يُرى؛ فنصمت أكثر، ونبتعد أكثر،ثم نلومهم في سِرّنا على شيء لم نطلبه منهم قط.
تتراكم هذه التوقعات الصامتة مثل غبار ناعم لا يُلاحظ في البداية.
فهذا مدير ينتظر من موظفه أن يُبادر، وذلك موظف ينتظر من مديره أن يوجّه، وهذا صديق يفترض أن صداقته مفهومة دون أن يعلن حدودها.
وكل واحد يحمل في داخله نصَّاً غير مكتوب، ويطلب من الآخر أن يتلوه بإتقان. وما بين النَّصّ والقراءة يتشكَّل سوء الفهم، وتُعمّقُ المسافة جذورها، ويظنّ كل طرف أنه أُسيء فهمه بينما لم يُفهم أصلاً.
إن التوقعات الصامتة ليست ضعفاً بحدّ ذاتها. إنها تعبير عن رغبة الإنسان في ألّا يشرح نفسه كل مرة، في أن يكون مفهوماً بالفطرة، لكنها في الوقت نفسه مرآة تكشف هشاشتنا؛ لأننا نتوقع -في أعماقنا- أن يتعاطف الآخر مع ما لا نبوح به.
وهنا تنشأ المفارقة؛ نطلب الفهم دون كلام، والحضور دون دعوة، والاهتمام دون إشارة، كأننا نطلب حدوث المعجزة، ونغضب حين لا تحدث.
ومع ذلك، تظل هذه التوقعات جزءاً أصيلاً من طبيعتنا الإنسانية، فلو كنا كائنات خالية من الانتظار؛ لخَلَتْ علاقاتنا من العمق ومن الرجاء، لكن الحكمة تكمن في أن نعرف أين ينتهي الصمت ويبدأ الوضوح، أين ينبغي للروح أن تبوح بما تخشاه أن يُساء فهمه، وأين يمكن لها أن تترك مساحة للآخر كي يقترب وحده.
فالتوقعات التي تُقال لا تنقص من قرب أحد، بل تمنحه طريقاً لا يضل فيه، وتمنحك قلباً أقل توجساً.
وربما تكون أعظم لحظة نضج هي تلك اللحظة التي ندرك فيها أن العالم لا يعرف ما في داخلنا ما لم نقله، وأن الصمت الجميل شيء،والصمت المربك شيء آخر؛عندها يصبح التواصل فعلَ شجاعة، والوضوح شكلاً من أشكال الود والرحمة.
وحين تُضاء التوقعات بالكلمات؛ تتنفس العلاقات بحرية، كما لو أنها خرجت من غرفة ضيقة إلى فضاء مفتوح.
وهكذا، تظلّ التوقعات الصامتة درساً فريداً في إنسانيتنا، نولد بها، وننضج حين نفهمها، ونرتاح حين نتعلم كيف نكسر صمتها دون أن نكسر قلوبنا.

سليمان مُسْلِم البلادي
solimanalbiladi@

الحلقات السابقة من روشتة وعي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *