الإنسان المخذول لا ينتقم ممّن خذله، بل ينتقم من نفسه في أرقّ ما فيها.
فحين تضيق به السُّبل، ويخذله المعنى قبل الأشخاص؛ لا يجد سيفاً أيسر من فضائله ليكسره. فالفضيلة، حين لا تجد اعترافاً، ولا صدى؛ تتحول من نعمةٍ إلى عبء، ومن نورٍ إلى مرآةٍ تُذكّره بما كان يتمنى أن يكونه العالم.
المخذول لا يولد شريراً؛ هو في الغالب إنسانٌ كان كريماً أكثر مما ينبغي، صادقاً أكثر مما يحتمله الواقع، رحيماً في زمنٍ يكافئ القسوة.
وحين تتراكم الخيبات؛ يبدأ سؤال خفي بالتمدد في داخله: ما جدوى أن أكون نقياً في عالمٍ لا يرى النقاء؟
هذا السؤال لا يُطرح طلباً للحكمة، بل هرباً من الألم.
وهنا تبدأ أولى لحظات الانتقام، أن يتنازل عن فضيلةٍ صغيرة، لا لأنه يراها خطأ، بل لأنها لم تحمه.
شيئاً فشيئاً، يتعلم المخذول لغةً جديدة، لغة التخلّي؛ فيتخلّى عن صدقه؛ ليجرب الكذب، لا حباً فيه، بل ليشعر أنه أقل هشاشة وأكثر جسارة. ويتخلّى عن عفوه؛ ليجرّب الحقد، لا اقتناعاً به، بل ليثبت لنفسه أنه قادر على الرَّدّ. كأن الفضائل كانت وعداً بالحماية، وحين لم تفِ بوعدها؛ قرر أن يعاقبها.
إنه لا يقول: “أنا مخطئ”، بل يقول في سرّه: “فضائلي خذلتني”
وفي هذا التحول المفجع، لا ينتصر الإنسان، بل يتشظّى؛ لأن الفضائل لم تكن زينة خارجية يمكن خلعها دون ثمن، بل كانت بُنْية روحية تُشكّل معنى وجوده.
وحين ينتقم منها؛ يشعر بنشوة عابرة، تشبه نشوة من كسر المرآة؛ لأنه لم يعجبه وجهه فيها. فيختفي الانعكاس، لكن الوجه يبقى؛ مُثْقَلًا بجرحٍ جديد، جرح خيانة الذات.
الانتقام من الفضائل هو في جوهره احتجاجٌ صامت على عالمٍ غير عادل. هو صرخة تقول: “كنت أفضل مما لقيت”، لكنه احتجاج أعمى؛ لأنه يوجّه غضبه إلى الداخل بدل أن يوجّهه نحو الفهم والاستيعاب.
فالعالم لا يتغير حين نصبح أقل إنسانية، بل يخسر شاهداً آخر على إمكانية بذْل الخير.
غير أن في عمق هذا الخذلان بذرة خلاص. فالإنسان الذي يعي أنه ينتقم من فضائله؛ يبدأ أول خطوة نحو المصالحة مع نفسه، ويدرك أن الفضيلة لم تكن وعداً بالسلامة، بل اختياراً للمعنى، وأن الألم الذي رافقها لم يكن دليل فشلها، بل دليل ثمنها.
عندها فقط؛ يمكنه أن يسترد فضائله لا بوصفها وسيلة نجاة، بل بوصفها شهادة على من يكون.
فالإنسان المخذول لا يُدان؛ لأنه سقط،بل يُفهم؛لأنه تألّم.
والخطر الحقيقي ليس في أن نشعر بالخديعة، بل في أن نصدّق أن التخلّي عن أجمل ما فينا هو شكلٌ من أشكال القوة.
فالقوة الحقيقية أن نجرؤ، بعد كل خذلان، على أن نكون أقل قسوةً على أنفسنا، وأكثر رحمةً ووعياً بأن الفضائل لا تَنتقم، بل تنتظر من يحملها مرةً أخرى، بيدٍ حانية، وقلبٍ رشيد، وعقلٍ حكيم.
ولهذا؛ لا يحتاج الإنسان إلى أن ينتقم من فضائله، بل إلى مصالحتها مع إنسانيته؛ فيكون طيباً بلا سذاجة، صبوراً بلا سحقٍ للذات، صادقاً بلا جلدٍ للنفس، باذلاً للخير دون انتظار المكافأة؛ عندها لا تعود الفضيلة عدوّه المؤجَّل، بل ملاذه الأول والأخير.
سليمان مُسْلِم البلادي
solimanalbiladi@
الحلقات السابقة من روشتة وعي