في رحاب الحرم.. وحدة التوحيد رغم اختلاف البشر

من أعظم دلائل التوحيد التي يشهدها القلب قبل البصر، ويعاينها المسلم في واقعٍ حيٍّ لا في صفحات الكتب، ما نراه في المسجد الحرام؛ ذلك المشهد الذي تتلاشى فيه الفوارق، وتسقط فيه الاعتبارات، وتذوب فيه الهويات الجزئية، لتبقى هوية واحدة جامعة: عبودية الله وحده.

ففي رحاب هذا البيت العتيق، تجتمع ألسنةٌ مختلفة، وألوانٌ متباينة، وأجناسٌ متعدّدة، قدمت من أطراف الأرض ومغاربها، لا يجمعها نسب، ولا لغة، ولا وطن، ولا ثقافة، ومع ذلك اتحد مقصدها، وتوحّد دعاؤها، وارتفعت قلوبها بنداء واحد: يارب.

وحدة المقصد رغم اختلاف البشر

حين يقف الناظر في صحن المسجد الحرام، أو يرقب الطائفين حول الكعبة، يرى مشهدًا عجيبًا:
وجوه شقراء وسمراء، وأخرى بيضاء وسوداء، لغات لا تُحصى، ولهجات لا تُعدّ، ومع ذلك لا اختلاف في الوجهة، ولا تفرّق في المقصد.
كلهم يتجهون إلى قبلة واحدة، ويطوفون حول بيت واحد، ويدعون ربًا واحدًا، لا شريك له.

وهنا يتجلّى معنى التوحيد بأعلى صوره؛ إذ إخلاص العبادة لله وحده يجمع العابدين، مهما اختلفت ألسنتهم وألوانهم.
وتجعل اختلاف الألسنة والألوان آيةً من آيات الله، لا سببًا للتنازع أو التفرّق.

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [سورة البقرة: 21]

فجاء الخطاب عامًا، وجاءت العبودية جامعة، لا تميّز فيها لجنس على جنس، ولا للون على لون.

التوحيد الذي يسقط الحواجز

في المسجد الحرام لا يسأل أحدٌ الآخر: من أنت؟ ولا من أين جئت؟
فالكل سواسية في لباس الإحرام، وفي الذل بين يدي الله، وفي الرجاء، وفي الدموع، وفي التضرع.

وهذا من أعظم آثار التوحيد؛ إذ يحرّر الإنسان من التعصب للذات، والانتماء الضيق، والافتخار الفارغ، ويعيده إلى حقيقته الأولى: عبدٌ فقيرٌ إلى ربٍّ غنيٍّ كريم.

درس عملي للأمة كلها

ليس هذا المشهد مجرد حالة روحانية عابرة، بل هو رسالة عملية للأمة الإسلامية كلها:
أن التوحيد ليس عقيدة تُحفظ فحسب، بل قوة توحيدية تصنع وحدة الشعور والمصير، وأن ما يجمع الأمة أعظم مما يفرّقها، لو صدقت العبودية، وصحّ التعلّق بالله.

فإذا كان هذا الاجتماع المهيب ممكنًا في أقدس بقعة، فالأَولى أن تنعكس روحه على حياة المسلمين، فيكون التوحيد أساس الأخوّة، والعبودية المشتركة أساس التعاون، والرجوع إلى الله أساس تجاوز الخلافات.

إن المسجد الحرام ليس مجرد مكان للعبادة فحسب، بل هو آية قائمة من آيات التوحيد، ومشهد حيّ يذكّر القلوب بأن هذا الدين واحد، والرب واحد، والمقصد واحد، مهما اختلفت الألسنة وتنوّعت الألوان.

فطوبى لمن وقف في هذا الموطن، فأبصر بعينه معنى التوحيد، واستقر في قلبه يقين العبودية، وعاد إلى حياته وهو يحمل هذا الدرس العظيم:
أن الله واحد، وأن عباده – مهما تفرّقوا – لا يجتمعون اجتماعًا أصدق ولا أنقى من اجتماعهم على بابه.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أ.د. مشعل بن حميد اللهيبي
جامعة أم القرى- كلية الدعوة وأصول الدين- قسم الكتاب والسنة

مقالات سابقة للكاتب

تعليق واحد على “في رحاب الحرم.. وحدة التوحيد رغم اختلاف البشر

مظهر

جزاك الله خير وكان في ميزان حسانتكم معالي الدكتور
بارك الله فيكم وزادكم من نعمته
اللهم تقبل منا دعائنا
اللهم امين يارب العالمين
اخوك
مظهر المنصورى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *