العقل البشري لا يعمل كمرآة صافية تعكس الواقع كما هو،بل كعدسة مصقولة بتاريخها،مثقلة بتجاربها،ومائلة -من حيث لا تشعر- إلى الزاوية التي تمنحها الطمأنينة والارتياح.
فنحن لا نرى الأشياء غالباً كما هي،بل كما نحب أن تكون،أو كما اعتدنا أن نراها.
من هنا تبدأ الحكاية مع التحيّزات المعرفية،تلك الانحرافات الهادئة التي لا تصرخ في وعينا،لكنها تقوده من الخلف.
التحيّز ليس خطأً طارئاً في التفكير،بل آلية بقاء قديمة.فالعقل،الساعي إلى الاقتصاد والسرعة،يختصر الطريق؛فيستعير أحكاماً جاهزة بدل أن يخوض مشقة الفحص في كل مرة.غير أن ما ينقذنا في المواقف السريعة،قد يضلّلنا في القرارات المصيرية.فنحن نبحث عمّا يؤكّد قناعاتنا،لا عمّا يختبرها،وكأن الحقيقة مطالَبة بأن توافقنا،لا أن نصغي لها.
وهكذا يصبح أول رقم نسمعه مرجعاً،وأول رواية نصدّقها إطاراً،وأحدث حدث نعيشه معياراً لكل ما سبقه؛فنمنح الذاكرة الصاخبة سلطة على الواقع الصامت،ونحسب النادر شائعاً؛لأنه لافت،ونحسب الشائع هامشياً؛لأنه مألوف.وفي هذا الخلط الدقيق،تتشكّل قراراتنا،لا على أساس الاحتمال،بل على أساس الانطباع.والأكثر خداعاً أن العقل يتقن تبرير نفسه،فإذا نجحنا؛نسبنا النجاح إلى ذكائنا وحكمتنا،وإذا أخفقنا؛ألقينا اللوم على الظروف والآخرين.ونواصل طريقًا خاسرًا لا لأنه صائب،بل لأننا استثمرنا فيه وقتاً وجهداً وهوية. ونخشى الاعتراف بالخطأ،لا لأنه مؤلم،بل لأنه يهزّ الصورة التي بنيناها عن أنفسنا.
وفي العلاقات والأحكام،قد تكفي صفة واحدة -أناقة،فصاحة،ثقة-لتغمر الشخص بهالة تسرق منا القدرة على التمييز،كما قد تكفي هفوة واحدة لتلغي تاريخاً كاملاً من الإيجاب.وهكذا نبالغ في السلب،ونختصر الإيجاب،وكأن وعينا ميّال بطبعه إلى الحذر أكثر من الإنصاف.
ثم يأتي القطيع،لا بوصفه حشداً صاخباً،بل كاطمئنان جماعي،فما دام الجميع يسير في هذا الاتجاه؛فلا بد أنه الطريق الصحيح. نُسكت أسئلتنا الداخلية،ونستعير يقين الآخرين،وننسى أن كثرة السائرين لا تعني صحة المسار،بل أحيانًاً تعني فقط سهولته.
غير أن أخطر التحيّزات هو ذاك الذي يجعلنا نظن أننا محصّنون منها،فغير المختص قد يبالغ في ثقته،والخبير قد يشكّ في نفسه،وكلٌّ منهما أسير صورة ذهنية عن ذاته.هنا لا يعود الجهل نقص معرفة،بل وهم اكتفاء.
إن الوعي بهذه التحيّزات لا يجعلنا حكماء فجأة،ولا ينقلنا إلى صفاء مطلق،لكنه يمنحنا شيئاً أثمن،وهو التواضع المعرفي،أن نتوقّف لحظة قبل القرار،وأن نعيد صياغة السؤال،وأن ننظر إلى الفكرة من وجهها المعاكس،وأن نسأل أنفسنا بصدق:هل اخترنا هذا لأنّه صحيح،أم لأنه مريح؟
في النهاية،ليست الحرية في أن نتحرّر من تحيّزاتنا كلياً،فذلك وهم آخر،بل في ألا نطيعها طاعة عمياء،وأن نعرف أن العقل قد يضلّ،وأن الشكّ أحياناً شكلٌ من أشكال الحكمة،وأن الحقيقة لا تُمنح لمن يطلبها بثقة،بل لمن يطلبها بتواضع،وأن ما نُسمّيه قناعة يكون في كثير من الأحيان مجرّد تحيُّز تَعلَّم الدفاع عن نفسه.
سليمان مُسْلِم البلادي
@solimanalbiladi
الحلقات السابقة من روشتة وعي