في زحمة الحياة، وتكاثر المشاغل، يبحث المؤمن عن عبادةٍ يسيرةٍ في لفظها، عظيمةٍ في أثرها، قريبةٍ من القلب، بعيدةِ المدى في الثواب؛ فلا يكاد يجد عبادةً تجمع هذه المعاني كما تجمعها الصلاة والسلام على نبينا محمد ﷺ.
إنها عبادة لا تقتصر على زمانٍ دون زمان، ولا مكانٍ دون مكان، بل تجري على اللسان في كل وقت، وتثمر في القلب طمأنينة، وفي الحياة بركة، وفي الآخرة رفعة، حتى غدت من أجلّ القُربات وأعظمها أثرًا.
منزلة الصلاة على النبي ﷺ:
لم يجعل الله الصلاة على نبيّه ﷺ شأنًا تعبديًا عاديًا، بل افتتحها بنداءٍ قرآنيٍّ مهيب، فقال سبحانه:
﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
وهنا تتجلّى منزلةٌ فريدةٌ لا تشبهها منزلة عبادةٍ أخرى؛
فجميع التكاليف الشرعية – سواء في العبادات أو المعاملات – يأتي فيها النداء ثم يعقبه الأمر مباشرة:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾،
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾.
أما الصلاة والسلام على النبي ﷺ، فقد خُصّت بأسلوبٍ تشريفيٍّ فريد؛
بدأ بتوكيدٍ عظيم بـ«إنَّ»، ثم بإخبارٍ جليل عن فعلٍ قائمٍ مستمر:
أن الله تعالى يصلي على نبيّه، وأن ملائكته يصلّون عليه،
ثم جاء الخطاب للمؤمنين بعد هذه المقدمة المهيبة، ليكونوا على هذا النسق المبارك، وعلى هذا الطريق العلوي الشريف.
وهذه الخصوصية وحدها كافية لتدلّ على أن الصلاة على النبي ﷺ ليست كغيرها من التكاليف، ولا في درجتها، ولا في أثرها.
عبادة تجمع الأجر والبركة:
ومن خصائص هذه العبادة أنها مضاعفة الأجر؛ فالصلاة الواحدة من العبد يقابلها عشر صلوات من الله، ورفع درجات، ومحو سيئات، وهي تجارة رابحة لا خسران فيها، ولا مشقة تُذكر.
ثم إنها عبادة تجلب البركة في العمر، والرزق، والعمل، وتفتح أبواب التوفيق؛ لأن من أكثر من الصلاة على النبي ﷺ كان أقرب إلى هديه، وألزم لطريقه، ومن لزم الطريق وُفِّق للوصول.
سكينة القلب ونور النفس:
وللصلاة على النبي ﷺ أثرٌ عجيب في تهدئة القلوب القلقة، وجبر النفوس المنكسرة؛ فهي ذكرٌ ممزوج بالمحبة، لا يثقُل على اللسان، ولا يملّه القلب، بل كلما ردده المؤمن شعر بانشراحٍ داخلي، وكأن الهمّ يتراجع، والضيق يلين، والروح تستريح.
مفتاح قبول الدعاء:
ومن أعظم فضائل الصلاة على النبي ﷺ أنها سبب لقبول الدعاء؛ فهي زينة الدعاء، ومفتاح إجابته، وخاتمته المباركة. وقد أدرك السلف هذا المعنى، فكانوا يقدّمون الصلاة على النبي ﷺ بين يدي دعائهم، ويختمون بها، رجاء أن يصعد الدعاء مقبولًا، مزكّى بالصلاة والسلام على رسول الله ﷺ.
ليلة الجمعة ويومها… موسم القلوب المحبّة للنبي ﷺ:
وفي ليلة الجمعة، تتأكد هذه العبادة، وتسمو مكانتها، فهي ليلة تُفتح فيها أبواب الخير، وتتهيأ فيها القلوب للذكر، وتُستدعى فيها محبة النبي ﷺ واستحضار سيرته، فتكون الصلاة والسلام عليه فيها زادًا للقلب، ونورًا للروح، ورباطًا بين الدنيا والآخرة.
فطوبى لمن جعل لسانه رطبًا بالصلاة عليه، وقلبه عامرًا بمحبته، وسلوكه شاهدًا على اتباعه.
اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أ.د. مشعل بن حميد اللهيبي
جامعة أم القرى
كلية الدعوة وأصول الدين- قسم الكتاب والسنة
مقالات سابقة للكاتب