التدريب.. مابعد التدريب

التدريب في العصور الوسطى… امتداد لايزول، لم يتغيّر التدريب بقدر ما تغيّر شكله. تبدّلت القاعات، وتقدّمت الأدوات، وتسارعت الوسائل، لكن جوهر الحكاية بقي كما هو: إنسان يُعاد تشكيله عبر التجربة.

في الأمس كان التدريب معركة بقاء؛ تُعلَّم فيها اليد كيف تعمل كي لا تجوع، ويتدرّب الجسد كي لا يُهزم. كان الخطأ ثمنه مباشرًا، والنتيجة واضحة، والغاية واحدة: أن تبقى.

أما اليوم، فقد تحوّل التدريب إلى معركة وعي؛ يُدرَّب فيها العقل كي لا يتيه، وتُصقل الفكرة كي لا تذوب في ضجيج العالم، ويُعاد ترتيب الإنسان من الداخل قبل أن يُطالَب بأي إنجاز خارجي.

ما نراه اليوم من تقنيات ومنصات ذكية ليس قطيعة مع الماضي كما يُخيَّل للبعض، بل امتداد طبيعي له بثوب مختلف. فالمعلّم الذي كان يقف خلف المتدرّب في ورشةٍ ضيقة، يراقب يده ويصحّح خطأه بصمت، هو ذاته المدرب الذي يقف اليوم خلف المتدرّب في قاعةٍ حديثة أو خلف شاشة؛ غير أن الزمن صار أسرع، والمساحة أوسع، والخطأ لم يعد يُصحَّح فورًا، بل قد يتراكم دون أن نشعر.

التدريب في القرون الوسطى لم يكن بدائيًا، بل كان واضحًا، قاسيًا، وصريح الهدف: إمّا أن تتعلّم فتستمر، أو تُقصى فتختفي. أما اليوم، فالإقصاء لا يكون دائمًا بالخروج من السوق، بل بالبقاء فيه دون أثر، دون معنى، ودون قدرة حقيقية على الاستمرار.

وحين نُمعن النظر بعمق، نكتشف أن التدريب لم يكن يومًا عملية نقل مهارة، بل كان — ولا يزال — عملية نقل موقف من الحياة. موقف من العمل، من المسؤولية، من الخطأ، ومن الزمن نفسه. هناك من تعلّم في الماضي ليحيا، وهناك من يتدرّب اليوم ليحافظ على قيمته في عالم لا يتوقف عن التغيّر.

وبين الاثنين خيط لم ينقطع: أن الإنسان لا يُصنع بالشرح، ولا يُختزل في المعلومة، بل يُبنى بالوعي الذي يتشكّل وهو يخطئ، ويُعيد المحاولة، ويتعلّم كيف يقف مرة أخرى دون أن يفقد نفسه.

ومن هنا تبدأ النقطة التي كثيرًا ما نغفل عنها. فالتدريب الحقيقي اليوم لا يبدأ عند نهاية البرنامج، ولا يُقاس بعدد الساعات أو الشهادات، بل يبدأ بعد أن تُغلق القاعة، ويغيب المدرب، ويُترك الإنسان وحده أمام واقعه. هنا فقط يُختبر التدريب: هل تحوّل إلى وعي؟ هل ترك أثرًا؟ هل غيّر طريقة التفكير واتخاذ القرار؟ أم بقي تجربة مؤقتة تنتهي بانتهاء الحضور؟

لهذا، فإن البداية الجديدة للتدريب في عصرنا ليست في تحسين العرض، ولا في زيادة المحتوى، بل في التدريب ما بعد التدريب؛ في التخطيط الواعي للأثر، وفي مساءلة ما تغيّر، وفي حماية المعنى من التلاشي.

التدريب ما بعد التدريب هو أن نصنع إنسانًا قادرًا على الاستمرار دون وصاية، وجيلًا يفهم لماذا يتعلّم قبل أن يسأل ماذا يتعلّم، وجيلًا مستقبليًا يصنع أثره بذاته… لا متدرّبًا لحظيًا يلمع لحظة، ثم يختفي مع أول اختبار حقيقي للحياة.

 إبراهيم بن عبدالله الشريف

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *