قراءة في الذاكرة
للتقريب، يمكننا تبسيط الفكرة في عنوان: (التطبيب قبل عوني)، الطبيب المصري ومرافقه الممرض عبدالله غلوم. ويتبادر إلى الذهن بداهةً مفهوم الطب الشعبي. وقد تعمّدنا وصفه بـ«المنظومة»؛ لأنه يضم أشكالًا متعددة من وسائل التداوي، لا وسيلة واحدة.
فقد شاع في الذهنية الشعبية اصطلاح «الكي» بوصفه العلاج الجامع والمانع لكل الأمراض، وغفل الناس عن أن التطبيب الشعبي قائمة طويلة من العلاجات تختلف باختلاف أعراض المرض، ويمكن سردها على النحو الآتي:
1- التداوي بالأعشاب:
مثل الحبة السوداء، والسنا، والحرمل، والشَّح، والحنظل، والمِرّة، وذلك عن طريق الغلي.
كما تُستخدم الدهانات بالزيوت الطبيعية مثل: زيت الزيتون وزيت السمسم.
2- الحجامة: إخراج الدم الفاسد.
3- الفصد (أو الفضد): شق العِرق لإخراج الدم.
4- التجبير: لعلاج الكسور والخلوع.
5- التضميد واللصقات: باستخدام العسل، أو الطين، أو الحناء.
6- التبخير: بإحراق أعشاب أو مواد عطرية.
7- تطهير الذكور: ختان الذكور.
8- تمريخ البطن: تدليك البطن، وهي تقنية علاج طبيعي تتم بحركة دائرية باتجاه عقارب الساعة.
9- الحمية الغذائية.
وتلحق بهذه العلاجات الرُّقى والتعاويذ، وهي أصيلة في الثقافة الشعبية وأدبيات التطبيب، ولها مرجعياتها ومكانتها الدينية؛ إذ يقصدها الناس بنية الشفاء، اعتمادًا على مفاعيل الآيات والأذكار والأدعية.
وقد كان التطبيب الشعبي، بشقّيه، شائعًا في خليص، كما في بقية بوادي وقرى منطقة الحجاز، وكان يُمارَس بوصفه عملًا إنسانيًا لا يُتقاضى عليه أجر. وبقيت معظم أسماء الممارسين غير مدونة، رغم ما كانوا يحظون به من شهرة محلية محدودة.
غير أننا نحفظ في خزائن الذاكرة ثلاث شخصيات تمدد حضورها على خريطة الطب الشعبي في خليص، بل تجاوزت حدودها إلى المدن، وهم:
الشيخ محمد صالح المرامحي، والشيخ علي العقبي، وعم حسين بن عطية الله الغانمي، الذي يُعد أول من استخدم الإبر في علاج واهِنة الكتف، سابقًا بذلك ما يُعرف حديثًا بالإبر الصينية.
عرفتهم معرفة شخصية، فقد رأيتهم مرات عديدة في مجلس خالي الشيخ حسن بن عبدالصمد (رحمهم الله)، مع آخرين من نخبة ذلك الزمن الجميل؛ وكأنك في دار الندوة.
وكان للشيخ حسن بن عبدالصمد الدور الرئيس في تأسيس مستوصف خليص، تلك النقلة الحضارية في مشاريع التنمية، وذلك لوعيه بأهمية المجال الصحي.
وخير مثال على ذلك مباركته لابنه عبدالمنعم الابتعاث إلى ألمانيا لمواصلة دراسة الطب، كأول مبادرة من نوعها في تاريخ القرى، وإدراكه ضرورة مواكبة التحديث؛ فوظّف علاقاته مع أصدقائه من المستثمرين والتنويريين وذوي الاختصاص، وتكفّل بالمبنى وفق المواصفات الممكنة للتشغيل، بما في ذلك اختيار الموقع.
أنا من قبيلة 1/7، هذه القبيلة التي عانت في طفولتها أمراض الحصبة، والسعال الديكي، والملاريا، وكل النزلات المعوية والصدرية. وما زالت حدقتا عينيّ مخططتين ببقايا التراخوما والرمد الربيعي، وقدماي منقوشتان بالشوك، وخرائطه باقية حتى الآن.
محمد علي الشيخ
مقالات سابقة للكاتب